الساعة 00:00 م
الإثنين 10 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.04 جنيه إسترليني
4.23 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"الإعلامي الحكومي": الاحتلال يستخدم التفاوض غطاء لاستمرار الإبادة

116 مستوطنا يقتحمون "الأقصى"

مليشيات المستوطنين تُهاجم بدو الكعابنة شرق رام الله

الاحتلال يُخطر بهدم منازل مأهولة قرب القدس

ناهض أبو طعيمة.. جراحٌ حرمه الأسر من أدويته ولم يُحرم الأسرى من طبابته

حجم الخط
الطبيب ناهض أبو طعيمة.
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

في منتصف فبراير/ شباط 2024، وقف الطبيب الجراح ناهض أبو طعيمة أمام اللحظة الأصعب في حياته؛ كانت الدبابات الإسرائيلية تحاصر مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة، والمستشفى يغص بالجرحى والمرضى والنازحين الذين ضاقت بهم الأروقة، فيما لم يعد الخروج منه آمنًا بأي حال.

كان أمامه خياران مفصليان إما أن يغادر مع زوجته الطبيبة راوية الحرازين وأطفالهما الخمسة بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، أو أن يبقى مع مرداه الذين لم يكن يعرف ماذا سيحل بهم بعد مغادرته.

قدّم الدكتور ناهض الواجب المهني والأخلاقي وقسم الطبيب على غريزة النجاة الشخصية؛ أصر على أن تخرج زوجته وأبناؤهما عبر ما سمي آنذاك بـ"الطريق الآمن" حفاظًا على أرواحهم، بينما اختار هو البقاء داخل المستشفى وسط ظروف قاهرة، ولم تكن زوجته تعرف أن ذلك الوداع عند أبواب المستشفى سيكون الأخير بينهما قبل اعتقاله.

على مدار 21 يومًا من الحصار المشدد، عاش ناهض وأقرانه من الطواقم الطبية تحت إطلاق النار والقصف المتواصل، مع نقص حاد في الطعام والمستلزمات الطبية.. كانت الجثامين ملقاة في محيط المستشفى دون قدرة على الوصول إليها، وكانت أعداد المصابين تتزايد دون توقف.

اقتحام مجمع ناصر الطبي.jpeg


وسط ذلك الرعب، لم يكتفِ ناهض بإجراء الجراحات المعقدة ومتابعة المرضى، بل كان يتقاسم طعامه مع الأطفال النازحين؛ يطهو لهم الأرز أو المجدرة، ولا يرد طفلاً يقصده.

وفي واحدة من اللحظات التي ظلت حية في ذاكرة عائلته، ترك بعض التمر في مكتبه وأعطى منه طفله الأصغر يوسف قبل خروجه، قائلاً له أن يأكله ويتذكر والده، دون أن يدري أن هذه الذكرى الصغيرة ستصبح أثراً يتمسك به الطفل سنوات.

وفي 17 فبراير/ شباط 2024، اقتحمت قوات الاحتلال مجمع ناصر الطبي، واقتادت الدكتور ناهض من بين مرضاه إلى جهة مجهولة، لتبدأ مرحلة أخرى طويلة من الانتظار والغياب.

وراء السيرة المهنية الحافلة للطبيب المولود عام 1976 في بلدة عبسان الكبيرة شرق خان يونس، والذي تخرج بتخصص الجراحة العامة بتقدير امتياز من جامعة خاركوف في أوكرانيا عام 2005، تكمن تفاصيل إنسانية دافئة لشخص عاش حياته معطاءً.

فبعد التحاقه بمجمع ناصر الطبي عام 2008 وتوليه إدارة أقسام الجراحة ورئاسة لجنة الجودة ومكافحة العدوى، لم تكن علاقته بالمرضى تنتهي عند باب غرفة العمليات، بل ظلوا يسألون عنه ويدعون له حتى بعد سنوات من مساعدتهم.

أما في بيته، فكان ناهض أبًا شديد التعلق بأطفاله الخمسة؛ يتابع احتياجاتهم اليومية بنفسه، يساعد زوجته في إعداد الطعام وترتيب المنزل، ويشتري ملابس أبنائه بنفسه رغم جدول عمله المرهق في المستشفى.

وكان لـ "يوسف"، أصغر أبنائه، مكانة خاصة جداً في قلبه؛ إذ كان يبلغ من العمر نحو ثمانية أعوام حين اعتُقل والده.

وعندما تمكن محامٍ من نقل أول رسالة منه لاحقاً، كانت تحمل وصية مختصرة تختصر كل هذا التعلق: "دير بالك على يوسف".

لم يفهم الطفل معنى أن يغيب والده كل هذه المدة، لكن الغياب تسلل إلى أدق تفاصيل حياته؛ يسأل عنه حين يشتهي طعامًا كان يشاركه إياه، أو حين يتذكر لعبة، أو يحتاج أبًا يجلس بجواره.

واليوم، تجد زوجته الطبيبة راوية نفسها في مواجهة ثقيلة؛ تحملت عبء أن تكون الأب والأم معًا، وتتخذ قرارات مصيرية كان يفترض أن يتخذها "عمود البيت" معها.

وما يؤلمها أكثر هو غياب ناهض عن لحظات فارقة كان ينتظرها بشغف، من نجاح أبنائه في الثانوية العامة إلى دخولهم الجامعات وبداية رسم مستقبلهم بدونه.

11 شهرًا من الإخفاء القسري.. 

منذ اقتحام المستشفى واعتقاله، عاشت عائلة ناهض قرابة 11 شهرًا كاملة في ظروف قاسية من الإخفاء القسري؛ لا اتصال، لا زيارة، ولا معلومة واحدة تؤكد إن كان حيًا أم استشهد تحت التعذيب.

جاءت المعلومة الأولى المؤكدة أنه على قيد الحياة بعد رحلة طويلة من التنقل بين مراكز احتجاز وتوقيف سيئة السمعة، من بينها معتقل "سدي تيمان" وسجن "عوفر" و"المسكوبية"، قبل أن ينقل أخيراً إلى سجن "النقب".

كان الخبر مزيجاً بين الفرح والخوف؛ فرحٌ بكونه لا يزال يتنفس، وخوفٌ محقق من الظروف الرهيبة التي يعيشها المعتقلون هناك.

لاحقاً، نقل محامٍ تمكن من زيارته صورة قاتمة عن واقع الاحتجاز؛ إذ رأى أطباء معتقلين فقدوا أوزانًا كبيرة وتغيرت ملامحهم نتيجة التعذيب الممنهج، والضرب، والإهانات، والحرمان من الأغطية والنظافة والمياه الكافية.

أما الدكتور ناهض، الذي يعاني أساساً من مشكلات صحية في القلب وضغط الدم، فقد حُرم من أدوية القلب والضغط لقرابة العام الكامل، ولم يحصل على بعضها إلا بعد استئنافات قانونية ومطالبات متكررة قدّمها المحامي، وسط ظروف قاسية يجبر فيها المعتقلون على الركوع والمشي حفاة وتناول وجبات ضئيلة لا تسد رمقهم.

رسالة مهنية تكسر قيود السجن

تتجلى أشد صور المفارقة قسوة في تحول الدكتور ناهض أبو طعيمة  الذي قضى عقوداً ينقذ أرواح الجرحى ويشرف على العمليات المعقدة، إلى أسيرٍ مريض يحتاج هو نفسه إلى الرعاية والعلاج؛ ومع ذلك، لم يتخلَّ الجراح عن دوره الإنساني حتى خلف الأسوار.

بحسب شهادات أسرى أُفرج عنهم، فإن ناهض لم يتوقف عن ممارسة أسمى معاني مهنته؛ إذ حوّل زنزانته إلى نقطة إسعاف بدائية، يتابع فيها الأسرى المصابين والمرضى، ويداويهم بما يتوفر بين يديه من أدوات بسيطة أو إرشادات طبية تحفزهم على الصمود.

مأساة المنظومة الطبية

لا يمكن فصل قصة الدكتور ناهض أبو طعيمة عن واقع المنظومة الصحية في غزة؛ إذ تشكل حكايته نموذجاً مكثفاً لما يعانيه الكادر الطبي الفلسطيني بكامله.

وتشير المعطيات الرسمية إلى استشهاد أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي، واعتقال ما لا يقل عن 360 كادرًا صحيًا أثناء ممارستهم لعملهم الإنساني.

ومع خروج غالبية مستشفيات القطاع عن الخدمة وتدمير بنيتها التحتية ونفاذ الأدوية، توالت شهادات الأطباء المفرج عنهم لتكشف حجم التعذيب والإهمال الطبي الذي أودى بحياة قامات طبية بارزة داخل السجون، مثل الطبيب عدنان البرش والطبيب إياد الرنتيسي.