لم تكن عودة الأسير الفلسطيني المحرر أحمد عبد الكريم السيقلي إلى قطاع غزة عودةً إلى حضن أسرته كما حلم طوال أشهر الاعتقال، بل كانت عودة إلى فاجعة لم يكن يتخيل أن يحملها معه يوم حريته؛ فقد عاد ليُفجع باستشهاد أطفاله الستة، بينهم رضيعة لم يرها سوى مرة واحدة، في قصف إسرائيلي دمّر المبنى الذي كانت تقيم فيه أسرته وحوّله إلى مقبرة جماعية.
كان السيقلي يعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ثم انتقل إلى قلقيلية شمالي الضفة الغربية.
وقبل أسابيع من اعتقاله، داهمت قوات الاحتلال مكان سكنه عند الثانية فجراً، واقتحمته بعنف، وشرعت بالصراخ والضرب والتفتيش، قبل نقله إلى موقع عسكري ثم إلى سجن "عوفر" جنوب غرب رام الله.
وخلال الأسر، لم يكن السيقلي يعلم إلا القليل عما حل بقطاع غزة أو بأسرته، فيما كانت الحرب تواصل حصد الأرواح وتدمير المنازل والأحياء.
دقائق بعد المكالمة
قبل استشهاد أطفاله، كان السيقلي قد تحدث إليهم هاتفيًا، في مكالمة لم يكن يعلم أنها ستكون الأخيرة. وبعد دقائق فقط من حديثه معهم، استهدف القصف الإسرائيلي المبنى الذي كانت تقيم فيه أسرته.
وكان الأب قد أوصى زوجته، في ظل ظروف الحرب والخوف من ضياع الأطفال تحت الأنقاض، بأن تكتب أسماءهم على أيديهم حتى يمكن التعرف إليهم إذا أصابهم مكروه.
لكن دقائق قليلة كانت كافية لتحوّل الوصية إلى ذكرى موجعة؛ إذ انهار المبنى فوق ساكنيه، واستشهد أطفال السيقلي الستة جميعاً.
كان أكبر أبنائه يبلغ 17 عاماً، فيما كانت أصغرهم رضيعة لم تتجاوز شهرين، وبينهم توأم يبلغان ثماني سنوات.
يقول بحسرة: "استشهدوا جميعاً... وطفلتي الرضيعة لم أرها إلا مرة واحدة قبل مغادرتي للعمل".
وعندما أُبلغ السيقلي بالنبأ، انهار تماماً ونُقل إلى المستشفى، حيث تلقى محاليل طبية من شدة الصدمة. ويقول: "كانت صدمة كبيرة جداً، عندما أخبروني بما حدث انهرت تماماً".
ولم تكن الأسرة وحدها ضحية القصف؛ فقد أصيبت زوجته وابنته بشظايا ونجتا، فيما لم ينجُ من المبنى، الذي كان يضم نحو 120 شخصاً، سوى خمسة أشخاص: زوجته وابنته وثلاثة من عائلات أخرى، بينما استشهد الباقون.
أُفرج عن السيقلي مساء أول من أمس ضمن دفعات الأسرى الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة. وبينما حملت العودة فرحة الحرية، حملت معها وجع فقد أطفاله الستة.
عائلات أُبيدت
لا تبدو مأساة السيقلي حالة منفردة في غزة؛ فخلال الحرب، تحولت المنازل التي يفترض أن تكون ملاذًا للعائلات إلى أماكن فقد جماعي، وأُبيدت أسر بأكملها أو لم يبقَ منها سوى ناجٍ واحد.
ووفق البيانات الرسمية التي أوردتها وزارة الصحة في غزة وسجلات الشؤون المدنية، أُبيدت 2,276 أسرة فلسطينية بالكامل، فيما بقي ناجٍ واحد من 2,348 أسرة أخرى.
كما بلغ عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما أكثر من 60,737 طفلًا، بينهم 2,713 فقدوا والديهم معًا.
