لا تنتهي حكاية الفقد الفلسطيني عند لحظة استشهاد الإنسان، فبالنسبة إلى مئات العائلات الفلسطينية تبدأ بعد الموت معركة أخرى، عنوانها: أين الجثمان؟ ومتى يعود؟ وكيف سيعود؟
ففي الوقت الذي ينتظر فيه ذوو الشهداء لحظة وداع أبنائهم ومواراتهم الثرى، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي احتجاز مئات الجثامين في ثلاجات ومقابر تُعرف بـ"مقابر الأرقام"، ليبقى الموتى بعيدين عن أهلهم، وتبقى العائلات معلقة بين الانتظار والأمل والقلق.
وتشير أحدث معطيات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومعرفة مصير المفقودين، إلى أن الاحتلال يحتجز 1700 جثمان شهيد فلسطيني في مقابر الأرقام والثلاجات، غالبيتهم من قطاع غزة محتجزون في معسكرات مثل "سدي تيمان".
جثمان يتحول إلى رقم
و"مقابر الأرقام" ليست مقابر عادية؛ فهي أماكن دفن تحمل فيها القبور أرقامًا بدل أسماء أصحابها، في واحدة من أكثر صور إخفاء هوية الموتى قسوة.
وتعود سياسة الاحتجاز إلى عقود، فيما تصاعدت بصورة ملحوظة منذ عام 2015، عندما عادت سلطات الاحتلال إلى احتجاز جثامين شهداء فلسطينيين ودفن بعضهم في هذه المقابر أو الاحتفاظ بهم في الثلاجات.
وبحسب الحملة الوطنية، وثّق الاحتلال خلال عام 2025 وحده احتجاز 127 جثمانًا، في مؤشر على استمرار السياسة وتصاعدها، بدل أن تكون حالات استثنائية مرتبطة بظروف محددة.
ولا يقتصر الاحتجاز على الجثامين المعروفة الهوية، إذ تقول الحملة إن سلطات الاحتلال أخفت خلال حرب غزة هويات مئات الشهداء، ولم تعلن بشكل رسمي عن العدد الحقيقي للجثامين المحتجزة من القطاع أو ظروف احتجازها.
البحث عن الملامح..
بالنسبة إلى العائلة، لا يعني غياب الجثمان غياب مراسم الدفن فقط؛ بل يعني استمرار حالة الفقد.
الأم التي لا تستطيع احتضان ابنها للمرة الأخيرة، والأب الذي ينتظر أن يوارِي ابنه الثرى، والأطفال الذين لا يعرفون أين دفن والدهم، يعيشون حالة من الحداد غير المكتمل.
وتزداد قسوة هذه المعاناة عندما تعود الجثامين بعد سنوات أو أشهر في ظروف تجعل التعرف إليها مهمة شاقة، فتتحول لحظة استرداد الجثمان من نهاية للانتظار إلى بداية جديدة من الألم.
وهذا ما ظهر بصورة صادمة في قطاع غزة، حيث استلمت وزارة الصحة، في شباط/ فبراير 2026، 54 جثمانًا و66 صندوقًا تضم أشلاء وأعضاء بشرية أفرج عنها الاحتلال ونُقلت عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ولم تكن جميع الجثامين قابلة للتعرف المباشر، إذ فُعّلت غرف الاستعراف في قطاع غزة للتعامل مع جثامين مجهولة الهوية، بما فيها 15 جثمانًا استُلمت في 30 كانون الثاني/يناير 2026، بهدف التحقق من هويات أصحابها وتسليمها إلى عائلاتهم.
وتحدثت تقارير ميدانية عن وجود جثامين متحللة وبقايا بشرية وأشلاء ضمن الجثامين التي أُعيدت إلى غزة، ما جعل بعض العائلات تخوض تجربة مؤلمة للبحث عن أثر يدل على هوية أبنائها وسط بقايا بشرية يصعب التعرف إليها.
وهنا لا يعود السؤال بالنسبة إلى العائلة: "متى يعود ابني؟"، بل يصبح: هل سأتمكن من معرفة أنه ابني أصلًا؟
حين يعود الشهيد أشلاء
وفي الرابع من شباط/ فبراير 2026، أعلنت وزارة الصحة في غزة وصول 54 جثمانًا إلى مجمع الشفاء الطبي، إضافة إلى 66 صندوقًا تحتوي على أشلاء وأعضاء بشرية، بعد الإفراج عنها من قبل الاحتلال ونقلها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأكدت الوزارة أن الطواقم الطبية بدأت إجراءات الفحص والتوثيق والتعرف إلى الجثامين تمهيدًا لتسليمها إلى ذويها.
وأثارت طريقة إعادة الجثامين ردود فعل حقوقية وإنسانية واسعة، وكتب مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، تعليقًا على الواقعة عبر منصة "إكس"، متسائلًا: "أي قانون يجيز إعادة الإنسان أشلاء؟"، معتبرًا أن ما حدث يمثل انتهاكًا لكرامة الموتى وليس مجرد واقعة تتعلق بتسليم جثامين.
وتكشف هذه الواقعة أن مأساة العائلات لا تنتهي باسترداد الجثمان؛ فقد تكون عملية الاسترداد نفسها محملة بصدمة جديدة، حين يجد الأهل أنفسهم أمام جثمان مجهول الملامح أو رفات وأشلاء تحتاج إلى فحوصات ومطابقة وأخذ عينات قبل أن يتمكنوا من معرفة مصير أحبائهم.
أمّ تنتظر قبر ابنها
وفي الضفة الغربية والقدس، يمتد الانتظار أحيانًا لسنوات طويلة، فبين الجثامين المحتجزة شهداء يعود تاريخ استشهاد بعضهم إلى عقود، الأمر الذي يعني أن عائلات كاملة كبرت وهي تحمل صورة أبنائها دون أن تتمكن من دفنهم أو زيارة قبورهم.
وفي القدس وحدها، وثّقت محافظة القدس استمرار احتجاز جثامين شهداء مقدسيين، وأشارت في تقرير لها إلى أن بعض الجثامين يعود احتجازها إلى عقود، في إطار سياسة ترى فيها المحافظة وسيلة للضغط على عائلات الشهداء وعقابها.
وهكذا تتحول السنوات إلى جزء من العقوبة؛ يكبر الأبناء، ويشيب الآباء، وتموت أمهات قبل أن يتمكنّ من احتضان أبنائهن للمرة الأخيرة.
بعد قانوني وسياسي
لا تتعامل المؤسسات الفلسطينية مع احتجاز الجثامين باعتباره قضية إنسانية فقط، بل تعتبره انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
وتشير وثائق حقوقية فلسطينية إلى أن المادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 34 من البروتوكول الإضافي الأول تتضمنان التزامات تتعلق باحترام الموتى ودفنهم وفقًا لمعتقداتهم، وحماية القبور وتسهيل وصول العائلات إليها وإعادة رفات الموتى إلى ذويهم.
وأصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية في 2019 قرارًا سمح للجيش بمواصلة احتجاز جثامين فلسطينيين لاستخدامها كورقة تفاوضية مستقبلية، وهو ما أثار انتقادات حقوقية باعتباره تكريسًا لسياسة استخدام الجثامين في المفاوضات.
وفي عام 2025، أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية استمرار احتجاز جثمان الطفل الفلسطيني وديع شادي عليان، البالغ 14 عامًا، لأغراض تفاوضية مستقبلية، وفق مركز "عدالة"، الذي اعتبر القرار انتهاكًا لحقوق الطفل وكرامة عائلته.
جزء من التفاوض
وترى الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء أن احتجاز الجثامين وتحويلها إلى "رهائن" يمثل امتدادًا لسياسة تستهدف الفلسطيني حتى بعد وفاته.
وفي كانون الثاني/ يناير 2026، قالت الحملة إن الاحتلال يواصل احتجاز 776 جثمانًا موثقًا، بينهم 96 شهيدًا من الحركة الأسيرة و77 طفلًا و10 شهيدات.
إضافة إلى مئات الشهداء من قطاع غزة الذين لم تُعرف أعدادهم وظروف احتجازهم، ودعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الجثامين وإنهاء هذه السياسة.
وفي الأول من شباط/ فبراير 2026، تقدمت الحملة الوطنية، بالتعاون مع مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الجثامين الفلسطينية المحتجزة في الثلاجات ومقابر الأرقام.
الجثمان حقّ.. والدفن ليس امتيازً
في نهاية هذه الحكاية، لا تطالب العائلات بأكثر من حق بسيط: أن تعرف أين يوجد ابنها، وأن تراه، وأن تودعه، وأن تدفنه باسمِه وفي قبر يمكنها العودة إليه، لكن بالنسبة إلى مئات العائلات الفلسطينية، يبقى هذا الحق مؤجلًا.
فالجثمان المحتجز ليس مجرد جسد غائب، بل هو جزء من ذاكرة عائلة معلقة، وقصة فقد لم تجد خاتمتها، وكل يوم يمر دون استرداد الجثمان يضيف إلى لوعة الأهل عامًا جديدًا من الانتظار.
