الساعة 00:00 م
الأربعاء 12 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.05 جنيه إسترليني
4.23 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.46 يورو
3 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"إسرائيل" تُواصل خرق التهدئة جنوب لبنان

"مركز المفقودين": 2000 مختفٍ قسرا خلال الإبادة بغزة

#الحركة الأسيرة #الأسرى المرضى #الأسرى الفلسطينيون #الكنيست الإسرائيلي #الفصائل الفلسطينية #شهداء الحركة الأسيرة #القانون الدولي #الاتفاقيات الدولية #المقاومة الفلسطينية #أسرى غزة #المؤسسات الحقوقية #مقابر الأرقام #الأسرى الشهداء #جثامين الشهداء #حقوق الأسرى #الإهمال الطبي للأسرى #الأسرى القاصرون #الأسيرات الفلسطينيات #قانون إعدام الأسرى #الإفراج عن الأسرى #أسرى قطاع غزة #الشهداء الأسرى #التنكيل بالأسرى #الاعتداء على الأسرى #عمداء الأسرى #أحكام الإعدام #الحركة الوطنية الأسيرة #تعذيب الأسرى الفلسطينيين #استهداف الأسرى #انتهاكات الاحتلال ضد الأسرى #إعدام الأسرى #قوانين عنصرية #جثامين الأسرى الشهداء #الإخفاء القسري #أسرى الحرب #كنيست الاحتلال #اغتيال الأسرى #برلمان الاحتلال #الأسرى بعد 7 أكتوبر #معتقل سدي تيمان #اغتصاب الأسرى #الأسرى المفقودون #الحبس المنزلي للأسرى #شهادات حية للأسرى #الاعتقال الإداري للأسرى #الاعتداءات الجنسية ضد الأسرى #أعداد الأسرى في السجون الإسرائيلية #معطيات عن الأسرى #المعاناة اليومية للأسرى #المحاكم العسكرية الصورية للأسرى #الاعتقال التعسفي للأسرى #المرضى بلا علاج للأسرى #الحرمان من الزيارات للأسرى #القمع داخل السجون للأسرى #الحرمان من الطعام للأسرى #العزل الانفرادي الطويل للأسرى #التهديد المستمر للأسرى #فقدان الحرية للأسرى #الإذلال أمام الزملاء للأسرى #الاعتقالات العشوائية للأسرى #الحصار النفسي للأسرى #الصدمات النفسية للأسرى #المراقبة المستمرة للأسرى #حرمان الأدوية للأسرى #الإهانة المستمرة للأسرى #القسوة على الأسيرات #التجويع للأسرى #التفتيش المذل للأسرى #فقدان الكرامة للأسرى #الحرمان من التواصل مع العائلة للأسرى #الضغط النفسي للأسرى #التمييز ضد الأسرى #الموت داخل السجون للأسرى #الإساءة المستمرة للأسرى #شبح الموزة تعذيب للأسرى #مقابر الاحتلال في السجون #تعذيب الأسرى في سدي تيمان #خلع ملابس الأسرى #خلع حجاب الأسيرات #تجريد الأسرى من الملابس

100 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى

بالفيديو والصور حرب خفية.. كيف تحوّل التنقل اليومي في غزة إلى صدمة متجددة؟

حجم الخط
صدمة ما بعد الحرب
غزة – فاتن الحميدي – وكالة سند للأنباء

ثمة وجهٌ آخر للحرب لا تسجله عدسات الكاميرات، يُعاش يوميًا في الطرقات وعلى أعتاب الأحياء المدمرة.. في غزة، لا تحتاج لكي تتذكر الحرب إلى صوت انفجار جديد؛ فالمشهد الممتد على جانبي الطريق كفيلٌ بإبقاء الفاجعة حية.

بين خيام النزوح والأحياء التي غابت ملامحها، يجد الأهالي أنفسهم يوميًا أمام واقع يلاحقهم في أدق تفاصيل حياتهم؛ حيث يمتد الدمار من حجارة الشوارع ليطال الذاكرة والنفس، تحكمه مشاعر الخوف وذكريات منازل كانت يومًا تعجّ بالحياة.

لا تتشكل هذه الحالة النفسية المجهدة من فراغ؛ بل هي انعكاس رقمي وميداني لواقعٍ سُوّيت فيه أحياءٌ كاملة بالأرض، فوقفًا للتقارير الميدانية والإحصاءات الرسمية، فإن نسبة الدمار في قطاع غزة تجاوزت 70% إلى 80% من المباني والمنشآت السكنية والبنية التحتية، ما تحول إلى ما يُعرف بـ "إبادة المكان"، حيث لم تُهدم الحجارة فحسب، بل مُحيت المعالم التاريخية والاجتماعية التي تُشكّل الهوية اليومية والذاكرة الجمعية للسكان.

دمار المباني بغزة.webp
 

رحلة في ذاكرة المكان.. "لا مهرب"

ويضطر آلاف المواطنين الخروج يوميًا لقضاء احتياجاتهم، دون أن يغادروا واقع الحرب؛ فالطريق أصبح مساحة مفتوحة للذاكرة المحمّلة بصور الأحياء المفقودة؛ ورغم أن العين قد تبدو وكأنها اعتادت الركام، إلا أن النفس لا تتعامل بالطريقة ذاتها.

تجسد الشابة ملك الأخرس هذا الواقع؛ إذ لا تحتاج إلى البحث عن مشهد يذكّرها بالحرب، فما إن تغادر خيمتها على شاطئ مواصي خانيونس جنوب القطاع متجهة إلى عملها في حي الأمل، حتى تبدأ رحلتها بين أنقاض بيتها وحارتها التي نشأت فيها.

تقول ملك لـ "وكالة سند للأنباء": "نفسي بس يرجع يوم واحد من أيام قبل الحرب. يوميًا أسير من مكان بيتي المهدم والغصة في قلبي ترافقني".

وتحاول أحيانًا تغيير طريقها لتجنب مواجهة المكان، لكنها تضيف: "في النهاية هي حارتي، كبرت فيها، وما ضل فيها غير أكوام الحجارة وريحة الشهداء الحبايب".

وحين ينتهي العمل، لا ينتهي ثقل المشهد؛ إذ تعود ملك إلى خيمتها الملازمة لشاطئ البحر محاولة البحث عن مساحة هدوء، لتصطدم بانتشار الخيام عن يمينها وشمالها، مؤكدة أنه "لا مهرب"؛ حيث تتنقل بين ثلاث محطات تحمل كلها أثر الحرب: حارة مفقودة، وخيمة تذكّر بالنزوح، وبحر عاجز عن منحها ملجأً من الصور.

رمادية المدينة والتأثير النفسي

لا يختلف الحال لدى نسمة الدحدوح من مدينة غزة، التي تصطدم بمشاهد الدمار والركام خلال تنقلها اليومي، ما ينعكس مباشرة على حالتها النفسية حتى في الأيام التي تخرج فيها وهي في مزاج جيد.

تعبّر نسمة عن تجربتها قائلة: "كلما أخذتني الشوارع لقضاء حاجة في غزة ولامستُ عيناي آثار الدمار، يُخيم الحزن على نفسي، فأروحُ أتأمل ما حولي وأتساءل بأسى: كيف كانت هذه الأماكن تضجّ بالحياة والناس، وكيف تحولت إلى مجرد ركام وذكريات موجعة؟".

وتسترسل بمرارة: "حتى وإن خرجتُ بأملٍ أو طاقة جيدة، ينكسر الخاطر أمام هذه المشاهد، وأعود وقد أثقل الخاطر بالتعب.. أجدني أُطيل التفكير بأصحاب تلك البيوت وكيف تبدلت أحوالهم، وكثيرًا ما أجد صعوبة في استعادة تركيزي للدراسة أو استرجاع قدرتي الطبيعية، لا سيما حين يتوقف نظري عند الأطفال والعائلات الذين يتخذون من الخيام مأوى".

وتلخص نسمة ألم هذا الواقع بالقول، إن السعي لمواصلة الجامعة والعمل، ومحاولة تجاوز القسوة بالابتسامة والحديث العادي، يخبئ خلفه حزنًا صامتًا وتعبًا يسكن الروح ولا يُحكى دائمًا.

الدمار الخفي.. تهديد دائم يستهدف النفس والجسد

بدورها، تقول الأخصائية النفسية نورا أبو عيطة إن رؤية الدمار بشكل يومي "لا تُعد مجرد مشاهدة لمشهد خارجي، بل هي تذكير مستمر بالخسارة والخوف وعدم الأمان".

وتوضح أبو عيطة لـ"وكالة سند للأنباء" أن هذه المشاهد يمكن أن تبقي الإنسان في حالة من الحزن والقلق، وأن تؤثر في إحساسه بالاستقرار والانتماء، خصوصًا عندما تكون البيئة المحيطة مرتبطة بذكريات مؤلمة وفقدان كبير.

فالمكان، بحسب "أبو عيطة"، لا يحمل قيمة مادية فقط، بل يرتبط بتاريخ الإنسان وعلاقاته ولحظاته الخاصة، مشيرة إلى أن رؤية المنزل أو الحي الذي عاش فيه الإنسان مدمرًا قد تشعره بأنه فقد جزءًا من حياته نفسها.

وتزداد وطأة المشهد عندما يكون المواطن قد تعرض لفقد منزله أو أحد أفراد أسرته؛ لأن الدمار عندها لا يعود مجرد صورة خارجية، بل يصبح مرتبطًا بفقد مباشر وذاكرة شخصية.

وتضيف "أبو عيطة" أن الإنسان لا يحتاج إلى التعرض لخطر جديد حتى تستعيد نفسه مشاعر الخوف، موكّدة أنَّ التعرض المتكرر للمشاهد الصادمة يمكن أن يؤدي إلى "إعادة تنشيط مشاعر الخوف والصدمة في كل مرة يمر فيها المواطن بالمكان نفسه".

ووفق شرحها، فإن الدماغ قد يتعامل مع هذه المشاهد باعتبارها إشارات تهديد حتى في غياب خطر مباشر، ما يزيد مستويات التوتر والإجهاد النفسي ويجعل عملية التعافي أكثر صعوبة.

وهكذا، قد يكون المواطن جالسًا في مكان عمله يؤدي مهامه ويتحدث مع زملائه، لكن جزءًا من ذهنه لا يزال عالقًا في الطريق؛ في صورة منزل مهدّم، أو شارع تغيرت ملامحه، أو مكان ارتبط بذكرى لا يستطيع تجاوزها.

غزة قبل وبعد الحرب.jpg
 

وتستكمل "أبو عيطة" مؤكدةً أن الإنسان بعد المرور بتجارب قاسية قد يظل في حالة استعداد دائم للخطر حتى عندما لا يكون أمام تهديد مباشر، وقد يظهر ذلك في سرعة الانفعال، وصعوبة الاسترخاء، والقلق المستمر، ومراقبة المحيط بصورة زائدة، أو الشعور بأن الخطر لا يزال قائمًا.

ولا يبقى هذا الضغط داخل المشاعر فقط؛ إذ يمتد إلى الجسد في صورة صداع، وآلام عضلية، وإرهاق مستمر، واضطرابات في النوم والشهية، وخفقان القلب، إلى جانب اضطرابات الجهاز الهضمي وآلام المعدة والقولون.

وبينما يملأ الركام المشهد الخارجي، تؤدي الخيام دورًا آخر في الذاكرة اليومية للنازحين؛ فهي بالنسبة إلى كثيرين ليست مجرد مأوى، بل شاهد دائم على حياة انقطعت عن مسارها الطبيعي، فالانتقال من منزل إلى خيمة يعني فقدان مساحة خاصة وأمان واستقرار وذكريات ارتبطت بالمكان لسنوات.

وتقول أبو عيطة إن فقدان المكان "ليس فقدانًا للحجارة فقط"، لأن المنزل يمثل تاريخ الإنسان وعلاقاته وذكرياته، ولذلك فإن فقدانه يجعل الشخص يشعر بأنه فقد جزءًا من قصته وهويته، ويعيش يوميًا مع حقيقة فقدان المكان الذي كان يمنحه الانتماء.

اعتياد ظاهري دون معافاة وسبل النجاة

ومع تكرار المشهد، قد يبدو أن الناس أصبحوا أكثر قدرة على المرور بجانب الركام دون توقف أو رد فعل واضح، لكن هذا التكيف الخارجي لا يعني بالضرورة أن الأثر النفسي قد تراجع.

تبيّن "أبو عيطة" أن الإنسان يمتلك قدرة على التكيف مع الظروف القاسية، وقد يبدو ظاهريًا وكأنه اعتاد الدمار، "لكن هذا لا يعني أن الأثر النفسي اختفى"، مضيفة أنَّ المشاعر التي لا تجد مساحة للتعبير قد تتحول إلى صمت أو كبت، ثم تظهر في وقت لاحق على شكل إرهاق نفسي، وفقدان للدافعية، أو أعراض جسدية.

وتستدرك بالقول: "غياب البكاء أو عدم الحديث عن الدمار لا يعني غياب الألم؛ فقد يتعلم الإنسان مواصلة يومه بينما يحمل داخله مشاعر لم يجد فرصة للتعبير عنها".

ولفتت ضيفتنا النظر إلى أن انشغال العقل بالتعامل مع الخطر والبقاء يقلل المساحة المتاحة للتركيز والإبداع واتخاذ القرارات، وقد ينعكس ذلك في صورة تشتت الانتباه، وانخفاض الطاقة، وصعوبة التخطيط للمستقبل، وتراجع القدرة على أداء المهام اليومية بالكفاءة المعتادة.

وقد يظهر التأثير في الحزن والبكاء، أو الصمت والانسحاب، أو سرعة الانفعال، أو اضطرابات النوم وفقدان الدافعية، مشددةً أن الاعتراف بالتعب النفسي في مواجهة هذا الواقع هو جزء من مواجهة آثار الحرب، وليس علامة على الضعف.

وترى أبو عيطة أهمية الحفاظ على التواصل مع الآخرين، والتمسك بالروتين اليومي قدر الإمكان، وممارسة أنشطة بسيطة تمنح الإنسان شعورًا بالقدرة والسيطرة، إلى جانب منح الأطفال مساحة للاستماع والتعبير والطمأنة، وطلب الدعم النفسي عند الحاجة.

 أما التعافي، فلا يعني محو الذاكرة أو نسيان الخسارة، بل الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان أن يحمل تجربته دون أن تسيطر على حياته بالكامل وفق ضيفتنا.