تحولت منطقة عين العوجا شمال أريحا في الضفة الغربية المحتلة إلى نموذج واضح لتفريغ التجمعات الفلسطينية من سكانها، بعدما تزامن تصاعد هجمات المستوطنين مع تراجع حاد في مصادر المياه، ما دفع عائلات بدوية إلى مغادرة منازلها وأراضيها التي عاشت فيها لعقود.
وسلط موقع ميدل إيست آي البريطاني، الضوء على أوضاع المجتمع الفلسطيني في عين العوجا، موضحة أن النبع الذي كان يشكل مصدر الحياة لأكثر من 100 عائلة تقلص تدفقه بصورة كبيرة، بينما دفعت الاعتداءات والقيود على الوصول إلى المياه ومصادر الرزق السكان إلى النزوح نحو مناطق أخرى في وادي الأردن.
وغادر هيثم رشيد وعائلته المنطقة بعد سنوات من محاولات البقاء وإعادة بناء حياتهم، بعدما تحولت الهجمات والقيود إلى ضغط متواصل جعل استمرار الحياة في المكان شبه مستحيل.
وقال رشيد إن عائلته لم تغادر عندما تعرضت لمحاولة الطرد الأولى، بل عادت وأعادت بناء ما استطاعت، قبل أن يتكرر الضغط بصورة أكبر مع مزيد من القيود والهجمات وتراجع فرص الحصول على المياه.
وانتقلت عائلة رشيد في يناير/كانون الثاني الماضي إلى البلقاء، وهي منطقة بدوية صغيرة تفتقر إلى الخدمات العامة، فيما أصبح أطفاله غير قادرين على الوصول إلى مدارسهم بسبب المسافة وظروف النزوح.
تصاعد عنف المستوطنين
سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وفق التقرير، هجومين فقط للمستوطنين أسفرا عن إصابات أو أضرار في الممتلكات في منطقة عين العوجا بين عامي 2017 و2023، قبل أن يتصاعد العنف بصورة حادة بعد عام 2024.
وتوثقت 38 حالة على الأقل من هجمات المستوطنين خلال العام الماضي، بالتزامن مع إنشاء بؤر استيطانية إسرائيلية جديدة في المنطقة.
وأشارت بيانات الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى المياه أصبح من أكثر جوانب الحياة تعرضاً للخطر، بعدما أقدم مستوطنون على قطع أو إتلاف أنابيب المياه المتصلة بنبع عين العوجا، وإغلاق الطرق المستخدمة لجمع المياه ونقلها، وإفراغ خزانات المياه المنزلية، إلى جانب ترهيب أو الاعتداء على السكان والرعاة الذين يحاولون الحصول على المياه.
وتفاقمت أزمة النبع نفسه بفعل عوامل بيئية واستنزاف المياه الجوفية. وانخفض تدفق عين العوجا، الذي كان يتجاوز تاريخياً ألف متر مكعب في الساعة وربما ضعف ذلك خلال مواسم الأمطار، بنسبة تراوحت بين 50 و70 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، وفق الباحث البيئي أيمن أبو زاهر.
وأوضح أبو زاهر أن المنطقة تعتمد على طبقتين رئيسيتين من المياه الجوفية، مشيراً إلى أن الآبار التي تديرها السلطات الإسرائيلية في عين العوجا جرى تعميقها خلال العقود الثلاثة الماضية من مئات الأمتار إلى قرابة ألف متر، مع إضافة بئر رابعة.
تهجير صامت بسلاح المياه
تستخرج الآبار الإسرائيلية مجتمعة بين أربعة وستة ملايين متر مكعب من المياه سنوياً من الخزان الجوفي العميق الذي يغذي النبع، قبل تحويل هذه المياه إلى المستوطنات الإسرائيلية بدلاً من تلبية احتياجات المجتمعات الفلسطينية المجاورة.
وتراجعت المساحات الزراعية المروية في المنطقة بصورة حادة، إذ انخفضت الأراضي التي كانت تغطيها البساتين والحقول من أكثر من 30 ألف دونم إلى نحو ثلاثة آلاف دونم فقط يتم ريها بصورة فعالة.
وأجبرت أزمة المياه النساء والعائلات النازحة على قطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس بحثاً عن صهاريج المياه أو نقاط التوزيع، بعدما كان السكان يحصلون على احتياجاتهم اليومية بسهولة من النبع.
وقالت النازحة نايفة زايد إن العائلات اضطرت إلى شراء كميات كبيرة من المياه بسبب النقص، مشيرة إلى أن الجيش منعهم في إحدى الفترات من شرائها، كما مُنعت صهاريج المياه من الوصول إليهم.
وامتدت الأزمة إلى الثروة الحيوانية وسبل العيش، بعدما أدت القيود على الحركة وفقدان المراعي والهجمات إلى خسائر واسعة في الماشية. وأفاد سكان بأن مستوطنين سرقوا نحو 1500 رأس من الأغنام والماعز خلال مداهمة للقرية مطلع العام الماضي، قبل العثور في اليوم التالي على عشرات الحيوانات النافقة في المنطقة.
ودفع تدمير مصادر الرزق التقليدية بعض البدو إلى العمل داخل المستوطنات الإسرائيلية المجاورة أو في أعمال موسمية منخفضة الأجر، بعدما تحولت الأرض التي كانت مصدر رزقهم إلى مكان للعمل دون حماية وظيفية أو حقوق عمالية كافية.
ولم يتوقف تأثير التهجير عند السكان، إذ تعرض السياح والمتنزهون أيضاً لهجمات المستوطنين. وشهدت المنطقة في يناير/كانون الثاني 2023 اعتداءً على مجموعة دولية من المتنزهين، بينهم أمريكيون وإيطاليون وفرنسيون، بعدما هاجمهم مستوطنون مسلحون بالعصي ورذاذ الفلفل.
وخاض السكان معركة قضائية في محاولة لوقف تهجيرهم، فتقدموا بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية وتسهيل عودتهم إلى منازلهم.
وأمرت المحكمة في فبراير/شباط الماضي السلطات الإسرائيلية بمساعدة العائلات على العودة إلى منازلها حول عين العوجا وتقديم تقرير خلال 60 يوماً بشأن الإجراءات المتخذة لضمان أمنهم، إلا أن الدولة لم تلتزم بالموعد النهائي، واستمرت في الاعتراض على المطالب.
ووصلت القضية إلى المحكمة في وقت كانت فيه آخر العائلات قد غادرت المنطقة بالفعل، ليصبح القرار القضائي لاحقاً لواقع ميداني تغيّر بصورة كبيرة.
وتحوّلت عين العوجا، من واحة كانت تستقطب السكان والزوار إلى منطقة قاحلة تتراجع فيها المياه وتختفي فيها الماشية وتتفكك المجتمعات البدوية.
ويقول رشيد إن عائلته فقدت أرضها ومواشيها ومياهها، مؤكداً أن السكان "إذا لم يتحدوا، فسنخسر جميعاً". وتختصر هذه الشهادة مأساة مجتمع فلسطيني وجد نفسه أمام ضغط متراكم لا يعتمد على حادث واحد، بل على تكرار الهجمات والقيود وفقدان المياه ومصادر الرزق، إلى أن أصبح البقاء في المكان أمراً بالغ الصعوبة.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل أيست آي أضغط هنا
