أكد تقرير إسرائيلي أن وزير المالية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، استخدم آلية المقاصة المصرفية بين "إسرائيل" والبنوك الفلسطينية كأداة ضغط اقتصادي على السلطة الفلسطينية، ولتحقيق مكاسب سياسية.
وأوضح التقرير الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية اليوم السبت، أن سموتريتش استغل خطابات التعويض التي تقدمها حكومة الاحتلال للبنوك الإسرائيلية لضمان استمرار تعاملاتها مع القطاع المصرفي الفلسطيني، واستخدم ملف المقاصة للضغط على السلطة الفلسطينية.
وإلى جانب ذلك، وظف سموتريتش هذا الملف كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة للحصول على تنازلات تتعلق بتوسيع المستوطنات، وإقامة مستوطنات جديدة، وغض الطرف عن إقامة بؤر رعوية في الضفة الغربية.
ويتجاوز حجم التجارة بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية 20 مليار شيكل، ما يجعل العلاقات المصرفية بينهما عنصرًا أساسيًا لاستمرار عجلة الاقتصاد الفلسطيني وعمل السلطة.
ويقوم بنكا "ديسكونت" و"هبوعليم" الإسرائيليان بدور البنوك المراسلة للبنوك الفلسطينية، إذ يوفران خدمات المقاصة وتحويل الأموال بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي.
وتقدم الحكومة الإسرائيلية للبنكين "خطابات تعويض" تضمن تعويضهما عن أضرار محتملة في حال تعرضهما لدعاوى قضائية بسبب تعاملهما مع بنوك فلسطينية.
وأشار التقرير إلى موافقة سموتريتش في البداية على آلية خطابات التعويض، ووقع عليها بعد توليه منصبه، لكنه غيّر موقفه لاحقًا بعدما أدرك حجم النفوذ الذي تمنحه له هذه الآلية.
ولجأ سموتريتش لاستخدام تمديد خطابات التعويض كورقة ضغط، إذ وقع في بعض الحالات على تمديدات لفترات قصيرة وصلت إلى ثلاثة أشهر فقط، بالتزامن مع توجيه انتقادات للقطاع المصرفي الفلسطيني واتهامه بالتقصير في تطبيق جميع الإجراءات المطلوبة لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
وأثار ذلك مخاوف البنوك الإسرائيلية من التعرض لدعاوى قضائية بمليارات الدولارات، خصوصًا في الولايات المتحدة، على خلفية تعاملاتها مع البنوك الفلسطينية.
ولفت التقرير إلى أن سموتريتش عرقل كذلك مسارًا بديلًا كانت الحكومة الإسرائيلية قد أنشأته بهدف ضمان استمرار المقاصة.
وكانت "إسرائيل" قد أنشأت شركة حكومية يفترض أن تعمل كجهة مقاصة مستقلة للتعامل مع البنوك الفلسطينية، إلا أن المشروع لم يتحول إلى بديل فعلي للبنوك الإسرائيلية، إذ رفض مسؤولون في وزارة المالية العمل في مجلس إدارة الشركة، خشية تعرضهم لدعاوى قضائية شخصية في دول مختلفة.
وأشار التقرير إلى أن سموتريتش تعامل مع خطابات التعويض باعتبارها أداة ضغط يمكن استخدامها للحصول على تنازلات سياسية.
فقد توجه مسؤولون أمريكيون وأوروبيون ودوليون إلى سموتريتش في محاولة لمعالجة الأزمة المتعلقة باستمرار المقاصة مع البنوك الفلسطينية، وهو ما أتاح له استخدام الملف المصرفي كورقة تفاوضية، خصوصًا مع واشنطن.
ووصف التقرير هذه الآلية بأنها كانت بمثابة "السلاح السري" لسموتريتش؛ فقد سعى للحصول على تنازلات في قضايا تتعلق بتوسيع المستوطنات، وإقامة مستوطنات جديدة، وغض الطرف عن إقامة مزارع زراعية في الضفة الغربية.
ولاحقا، بدأ البنكان الإسرائيليان "ديسكونت" و"هبوعليم" بالتراجع عن دورهما في المقاصة، بسبب المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بالتعامل مع البنوك الفلسطينية.
ولم يعارض سموتريتش هذا التراجع، إذ أصبح احتمال توقف المقاصة يبدو وكأنه نتيجة قرار مؤسسات مالية خاصة، وليس قرارًا مباشرًا من حكومة الاحتلال.
وتحذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن توقف المقاصة قد تكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد الفلسطيني، وعلى قدرة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب موظفيها وإدارة شؤونها المالية.
وقبل نحو شهرين، وصل الملف إلى المجلس الوزاري الإسرائيلي، حيث طلب من "الشاباك" تقديم تقييم بشأن تداعيات استمرار الأزمة المصرفية.
وبدوره، قال رئيس الجهاز دافيد زيني ومسؤولون في الجهاز إن عدم استمرار تدفق الأموال إلى البنوك الفلسطينية سيزيد من احتمالات انهيار السلطة.
وأوضح "الشاباك" أن توقف المقاصة سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، وقد يدفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار، كما سيضطر الفلسطينيون إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأموال النقدية والعملات الأجنبية في دفع الرواتب وتسوية معاملات التجار.
وحذر الجهاز من أن هذا التحول سيجعل من الصعب على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتبع حركة الأموال والتحويلات المالية.
ورغم التحذيرات، قرر المجلس الوزاري، بمشاركة سموتريتش، تقديم خطابات تعويض للبنوك الإسرائيلية حتى نهاية عام 2026، بهدف ضمان استمرار تعاملاتها مع السلطة الفلسطينية.
وأوضح التقرير أن سموتريتش نجح في استخدام الأزمة المصرفية إلى أقصى حد ممكن، في الحصول على تنازلات سياسية، في حين بقي خطر انهيار السلطة الفلسطينية قائمًا.
وذكر التقرير أن مصرفيين فلسطينيين قد يواجهون قريبًا عقوبات وتحقيقات دولية، على خلفية اتهامات تتعلق بتمويل "الإرهاب".
وأشار التقرير إلى أن جهودًا نجحت خلال الأيام الأخيرة في إقناع بنك إسرائيلي واحد على الأقل بالعودة إلى العمل كجهة مقاصة مع البنوك الفلسطينية.
ومع ذلك، أوضح التقرير أن الأزمة لم تُحل نهائيًا، وأن الملف قد يعود مجددًا إلى طاولة الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
ويخلص التقرير إلى أن انهيار السلطة الفلسطينية لن يكون بالضرورة في مصلحة "إسرائيل"، رغم الانتقادات الإسرائيلية المستمرة لها واتهامها بـ"الفساد" ودعم "الإرهاب".
ففي حال انهيار السلطة، قد تضطر "إسرائيل" إلى تحمل مسؤوليات واسعة تجاه نحو مليوني فلسطيني في الضفة الغربية، بما يشمل إدارة الخدمات الأساسية وتمويل المدارس وإدارة شؤون المدن والبلديات.
وانتقد التقرير ما وصفه بالتناقض في السياسة الإسرائيلية، فبينما تعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا، تحافظ في الوقت ذاته على علاقات اقتصادية معها، وتطالبها باعتقال المطلوبين، في وقت تتهم فيه الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن أعمال عنف يرتكبها مستوطنون في الضفة الغربية.
وخلص التقرير إلى أن هذه السياسة قد تقود إلى الفوضى وانعدام القانون، وأن المكاسب السياسية التي يمكن تحقيقها على المدى القصير قد تترك ثمنًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا باهظًا على المدى البعيد.
