الساعة 00:00 م
السبت 29 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.2 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.45 يورو
2.98 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

رسالة سياسية لدحلان تدعو لمراجعة وطنية شاملة.. فما أبرز ما جاء فيها؟

أنفاس معلقة على حافة الموت.. أزمة الأكسجين تخنق مستشفيات غزة ومرضاها

المزاد على الدم الفلسطيني.. كيف يستثمر قادة الاحتلال التصعيد لترميم شعبيتهم المتآكلة؟

"لو متت شو رح يسألوني؟".. قصة الطفلة آمال التي سبقت رصاصة الاحتلال أحلامها

حجم الخط
الطفلة آمال أبو خاطر
غزة - فاتن الحميدي - وكالة سند للأنباء

ثلاثة أجزاء كاملة من القرآن الكريم، وقبل أن تبلغ الرابع، كانت "آمال" تحفظ طريقها غيبًا، لا إلى حلقة التحفيظ وحدها، بل إلى قلب كل من عرفها.

في العاشرة من عمرها، كان اليوم بالنسبة لها اتساعًا للمدرسة، وللعب الضاحك مع صديقاتها، ولشقاوتها المحببة التي تميزت بها بين أطفال العائلة، وحِنية ندر وجودها.

لم تكن تفصل بين طفولتها العفوية وبين تعلقها الخاشع بالصلاة ومجالس الذكر خطوط فاصلة؛ بل كانت روحًا خضراء تمتد بكل براءة نحو الحياة.

في الرابع والعشرين من أغسطس/ آب 2026، عادت آمال إلى خيمة عائلتها النازحة من مخيم جباليا شمال قطاع غزة إلى مدينة حمد بخان يونس، جنوب القطاع، محمّلة بآيات الله التي أتقنت تسميعها للتو، مزهوة بكونها من أوائل الملتحقات وأكثر الطالبات نشاطاً في ذلك اليوم، دون أن تعرف أن دقائق قليلة تفصلها عن الموت.

ويروي عمها، نظمي أبو خاطر، بتفاصيل لا تزال تثقل صدور العائلة في حديث مع "وكالة سند للأنباء"، ملامح تلك البنت البكر، صديقة والديها وبكرهم، وصديقة شقيقها الوحيد "عمر" التي ربطتهما علاقة وثيقة حتى كان كل من يراهما يمزحان يعتقد أن والدها صديقها لقربهم الشديد.

WhatsApp Image 2026-08-29 at 11.06.15 AM.jpeg
 

لم تكن تترك حلقة التحفيظ قط، حتى في الأيام التي يذهب فيها والداها إلى منزل جدها، كانت تحرص على إتمام التسميع أولًا ثم تلحق بهما.

ويشير العم إلى أنّ والد آمال كان مؤذنًا للمسجد، فيما يعمل عدد من أعمامها في تحفيظ القرآن، الأمر الذي انعكس على سلوكها منذ طفولتها، وجعل علاقتها بالمسجد والقرآن جزءًا أساسيًا من حياتها، فضلاً عن تفوقها الدراسي الذي جعل والديها يأملان لها بمستقبل كبير، رغم أنها لم تكن قد أخبرت عائلتها يومًا بما تريد أن تصبح عليه عندما تكبر.

وفي يوم استشهادها، وبعد عودتها مخبرة والدتها بأنها كانت من أكثر الطالبات تسميعًا، تذكرت أنها لم تصلِّ الظهر، أخبرت خالها برغبتها في الصلاة، فأجابها بأنه لم يصلِّ هو الآخر، فتوجها معًا لأداء الفريضة.

بين ركن الخيمة حيث كانت والدتها تنشغل بإعداد طعام الغداء، ورغبة عفوية في السكينة، بدأت تفاصيل المشهد الأخير تتشكل.

صرخة مفاجئة اخترقت سكون المكان؛ ظنتها الأم في البداية قرصة حشرة اعتادت ابنتها الخوف منها، قبل أن تمتد يدها لتلمس الظهر فترتد مغمورة بدمٍ غطى كل شيء.

ركض بها الخال حاملًا إياها بين ذراعيه، مستنجدًا بأحد الجيران ممن يملكون مركبة، وانطلقوا بها نحو مقر جمعية الهلال الأحمر، غير أن الرصاصة التي اخترقت ظهرها واستقرت في قلبها كانت أسرع من كل محاولات النجاة، لتتحول طفولتها إلى خبر وفاة.

"اشتريلي حاجات"

ولا تزال تفاصيل اليوم السابق لاستشهادها حاضرة بمرارتها في ذاكرة العائلة؛ إذ خرج والدها إلى عمله، فودعته آمال بحرارة وطلبت منه أن يشتري لها بعض حاجات الطعام لتتناولها معه عندما يعود.

عاد الأب بالفعل واشترى ما طلبت، لكن آمال لم تكن موجودة حين عاد، لتتحول حاجات الطعام إلى ذكرى مؤلمة تختصر غيابها المفاجئ.

سؤال عن الموت

ولم يكن الموت غائبًا تمامًا عن أسئلة آمال في أيامها الأخيرة؛ إذ بدأت قبل استشهادها بنحو أسبوع تسأل والدها عن عذاب القبر وما يُسأل عنه الإنسان بعد وفاته، وكانت تسأله ببراءة: "طيب أنا لو متت، شو رح يسألوني؟".

وقبل استشهادها بيومين، واصلت حديثها مع والدها عن القبر بطريقة حملت روحها المرحة، وقالت له إن سعر القبر 600 شيكل، وإن هناك عرضًا عليه بـ 250 شيكل، وسألته إن كان يستطيع أن يحجز لها واحدًا.

لم يكن أحد في العائلة يتوقع أن تتحول مزحة طفلة وأسئلتها عن القبر إلى واقع بعد أيام قليلة، وأن يصبح للقبر الذي تحدثت عنه مكان فعلي يحتضن جسدها.

WhatsApp Image 2026-08-29 at 10.33.22 AM.jpeg
 

وتأتي قصة آمال في سياق أوسع من استهداف الأطفال في قطاع غزة، حيث تواصلت جرائم الاحتلال منذ بدء الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، استشهد 21,289 طفلًا في غزة حتى 3 فبراير/ شباط 2026، فيما أصيب نحو 44,500 طفل.

ولم يضع وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 حدًا لاستهداف الأطفال؛ إذ أعلنت اليونيسف في 6 أغسطس/ آب 2026 أن 300 طفل على الأقل استشهدوا خلال 300 يوم منذ إعلان وقف إطلاق النار، أي بمعدل طفل واحد تقريبًا كل يوم.

آمال.. أمل لم يكتمل

وبذلك، تواصل آمال مسار آلاف الأطفال في غزة الذين لم تمنحهم الحرب فرصة لإكمال طفولتهم، فيما بقيت تفاصيل حياتهم اليومية، المدرسة، واللعب، والطعام، والصلاة، وحلقات القرآن ، آخر ما تتذكره عائلاتهم عنهم.

ويقول عم آمال إن ما حدث لابنة شقيقه لا ينبغي أن يمر كخبر عابر، داعيًا العالم إلى النظر إلى ما يحدث للأطفال في غزة بعيدًا عن ازدواجية المعايير، والعمل على إنقاذ من تبقى منهم.

كانت آمال في العاشرة من عمرها، ولم تكن تعرف بعد ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر، كانت تعرف فقط أنها تريد أن تذهب إلى المدرسة، وتلعب مع صديقاتها، وتحفظ القرآن، وتصلي، وتعود إلى خيمتها لتتناول الطعام مع عائلتها.

وفي يومها الأخير، عادت من حلقة التحفيظ، وأدت صلاة الظهر، ثم جلست تنتظر الغداء، لكن رصاصة واحدة كانت أسرع من كل أحلامها.