مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، تحتدم المنافسة بين الأحزاب لكسب أصوات الشارع عبر رفع "بورصة" التطرف والإجرام ضد الفلسطينيين، لتتحول القرارات والمواقف الميدانية إلى وقود أساسي لهذه المعركة السياسية.
ويرى المراقبون أن حكومة الاحتلال اليمينية -برئاسة الثلاثي نتنياهو، وسموتريتش، وبن غفير- استشعرت خطر الخسارة في ظل استطلاعات الرأي المتأرجحة، مما دفعها لمضاعفة الضغوط والتنكيل بالفلسطينيين لترميم شعبيتها المتآكلة.
وقد تجسد ذلك خلال الأسبوعين الأخيرين، لتتصدر قضايا القدس، والأقصى، والأسرى، وغزة، والضفة الغربية، الأجندات الانتخابية للائتلاف الحاكم مستغلين صلاحياتهم لتكريس وقائع جديدة على الأرض.
مخطط "E1" وطائرات غزة.. ورقة نتنياهو وكاتس
بناءً على ذلك، استهل الائتلاف خطواته التصعيدية من القدس؛ ففي الثامن عشر من أغسطس/ آب الجاري، طرحت حكومة الاحتلال عطاءً لبناء 1234 وحدة استيطانية في مخطط "E1" شرقي المدينة، منتهِكة تجميداً استمر أكثر من 30 عاماً لنقل المشروع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بهدف تكريس السيطرة وقطع الطريق أمام الدولة الفلسطينية.
وفي الاتجاه المقابل، سارع نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس مطلع الأسبوع لاستغلال الطائرات الورقية لأطفال غزة مصورين إياها كخطر استراتيجي.
وتجسد التوظيف الانتخابي في عقدهم اجتماعاً طارئاً مع أركان الجيش، أعقبه بيان مشترك اعتبرها "عملاً حربياً"، مهددين بتكثيف الهجمات والتهجير إن لم تتوقف.
السجون والقدس.. ميدان الإجرام والمزايدة لـ "ابن غفير"
لم يتخلف إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي وزعيم حزب "القوة اليهودية"، عن ركب المزايدات، حيث لجأ إلى ملف الأسرى الذي كرس فترة ولايته للتنكيل بهم، ليوظفه قطفاً لثمار سياسته في صندوق الاقتراع.
وكشف المتطرف "ابن غفير" عن خطط لإنشاء أول جناح مخصص للأسرى الفلسطينيين المحكومين بالإعدام يضم غرفة تنفيذ خاصة، متفاخراً من موقع البناء بأن حكومته "وعدت ووفّت" بإقرار القانون.
وتجلت مظاهر التنافس الانتخابي الحاد بينه وبين نتنياهو خلال سيطرة الاحتلال على مجمع معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة "أونروا" في كفر عقب بالقدس؛ إذ حرص نتنياهو على نسب الإخلاء لتوجيهاته، بينما شارك بن غفير شخصياً في العملية وأطلق الاثنان تصريحات تحريضية ضد الوكالة الأممية.
وفي القدس أيضاً، واصل "ابن غفير" استرضاء اليمين المتطرف بالمصادقة على قرار يسمح للمستوطنين بإدخال كتب الصلاة وإقامة صلوات علنية ومنظمة داخل باحات المسجد الأقصى كـ "تجربة أولية".
ولم يتوقف عند ذلك، بل أطلق دعوات علنية لتكثيف الإبادة الجماعية وقتل العشرات من سكان غزة كل ليلة، داعياً إلى إعادة الاستيطان في القطاع وتشجيع تهجير سكانه.
الاستيطان.. ورقة سموتريتش الأقوى
في السياق ذاته، يتخذ بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية وزعيم حزب "الصهيونية الدينية"، من التوسع الاستيطاني ورقة رابحة في الانتخابات لكسب أصوات أقصى اليمين.
وقبل أيام، خرج بتصريحات من مستوطنة "كاديم" المخلاة تباهى فيها بالعودة إلى المستوطنات الأربع بشمال الضفة الغربية، وهي "حومش"، و"صانور"، و"جانيم"، و"كاديم"، إلى جانب إقامة 19 مستوطنة جديدة في المنطقة ذاتها.
وفي محاولة للنيل من خصومه، حذّر سموتريتش من أن "ثورة الاستيطان" قد تضيعها حكومة محتملة تضم غادي آيزنكوت، وأفيغدور ليبرمان، ويائير غولان، زاعماً أنها ستخلي المستوطنات وتقيم "دولة إرهاب".
ولم تقتصر مساعي الحزب على ذلك؛ إذ استغل عضو الكنيست تسفي سوكوت منصبه كرئيس للجنة التعليم، ليظهر في مقطع مصور بمحيط مدرسة "دار الهدى النموذجية" بمخيم شعفاط محرضاً على إغلاقها، ليصدر بعد يومين قرار رسمي بسحب ترخيصها، قبل أن يظهر صباح الثلاثاء ليهدم صرح الشهداء في بلدة مادما جنوب نابلس بحماية قوات الاحتلال.
المعارضة.. سباق محموم على التطرف
لم يقتصر استغلال الدم الفلسطيني في المزاد الانتخابي على أعضاء الحكومة والائتلاف الحاكم فحسب، بل شمل أحزاب المعارضة التي تسابق بدورها لكسب الشارع الإسرائيلي.
ويبرز في هذا السياق أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" المعارض، الذي يحرض علانية على قصف قطاع غزة وخنقه، متهمًا نتنياهو بالعودة إلى "مفاهيم ما قبل السابع من أكتوبر" وبأنه "يقرب إسرائيل من كارثة أخرى".
وفي تصريحاته الحديثة، هاجم ليبرمان الحكومة الإسرائيلية منتقدًا بدء إعادة إعمار غزة قبل نزع سلاح حركة "حماس" والسماح بدخول مئات شاحنات المساعدات، مدعياً أن الحركة تتسلح وتخطط لما وصفه بـ "المذبحة القادمة".
الضفة وغزة.. ساحة نتنياهو الأوسع لتوظيف التصعيد
ويرى الصحفي المختص بالشأن الإسرائيلي، محمد علان دراغمة، أن الشأن الفلسطيني يمثل العمود المحوري في المعركة الانتخابية الإسرائيلية؛ وهو حضور يتخذ عمقاً وأهمية أكبر لكونها أول انتخابات تجرى بعد السابع من أكتوبر.
ويبين دراغمة لـ "وكالة سند للأنباء" أن حجم اهتمام المستوى السياسي بالبحث عن مبررات للتصعيد في الضفة وغزة يعكس مدى حضور القضية الفلسطينية.
ويشير إلى أن نتنياهو، الذي لا يتمتع بحرية التحرك في الجبهتين اللبنانية والإيرانية المحكومتين بالقرار الأمريكي، يجد في الساحتين الفلسطينيتين مساحة للتحرك أكبر بكثير.
وفي المقابل، يستغل معسكر المعارضة الشأن الفلسطيني في حملته ضد الائتلاف الحاكم؛ إذ يطلق على حكومة نتنياهو لقب "حكومة السابع من أكتوبر"، داعياً إلى تغييرها باعتبارها المسؤولة عن الفشل الأمني في ذلك اليوم.
ورغم أهمية استطلاعات الرأي في إعطاء مؤشرات حول توجهات الناخبين، إلا أن دراغمة لا يعتقد أنها تدفع نتنياهو لاتخاذ قرارات متطرفة ضد الفلسطينيين، مؤكداً أن السياسة الإسرائيلية متطرفة بالأساس، وأن المستوى السياسي يمتنع عن اتخاذ أي إجراءات ضد عنف المستوطنين حتى لا يخسر أصوات اليمين.
التطرف بين الشعارات والأفعال..
ويتفق الباحث في الشأن الإسرائيلي، ياسر مناع، على أن القضية الفلسطينية تظل إحدى القضايا المركزية الحاضرة دوما في الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن أهميتها تضاعفت بعد السابع من أكتوبر، بعد أن كان الملف الاقتصادي وقضايا داخلية أخرى متقدمة في انتخابات عام 2022.
ويوضح مناع لـ "وكالة سند للأنباء" أن الأحزاب الإسرائيلية تركز على تحقيق الأمن والطمأنينة للمجتمع الإسرائيلي، مستعرضة رؤاها المتراوحة بين التصعيد أو الحسم بما يرضي قواعدها الانتخابية.
ويحذر مناع من أن الائتلاف الحاكم يمتلك القدرة، بما في يديه من صلاحيات، على ترجمة مواقفه المتطرفة ضد الفلسطينيين إلى أمر واقع على الأرض، وهو ما يُمثّل خطراً أكبر بكثير من مجرد إطلاق الشعارات الدعائية.
ويشير إلى أن الشأن الأمني يحتل الأولوية المطلقة لدى الناخب الإسرائيلي على حساب الملفات الاقتصادية والتعليمية المرتبطة أساساً بمصير الحروب على الجبهات المختلفة.
وإذ لا يستبعد مناع لجوء نتنياهو إلى تصعيد عسكري جديد في الضفة أو غزة أو غيرهما، فإنه يرى أن ذلك سيزيد من تأزيم المشهد، مبيناً أن النقاش الحقيقي اليوم في "إسرائيل" يدور حول كيفية ترجمة الإنجازات العسكرية المتحققة في مختلف الساحات إلى مكاسب سياسية، وهي المعضلة الأكبر التي تواجه نتنياهو وحكومته.
