قدم رئيس تيار "الإصلاح الديمقراطي" في حركة "فتح"، محمد دحلان، رؤية سياسية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، ترتكز على ضرورة إجراء مراجعة وطنية شاملة لتجاوز ما وصفها بـ "أخطاء الماضي"، والانتقال من مرحلة الصراع على السلطة والمحاصصة الفصائلية إلى بناء نظام سياسي يقوم على الشراكة، ودولة المؤسسات، وسيادة القانون.
وأظهرت رسالة سياسية وجهها دحلان وحصلت عليها "وكالة سند للأنباء"، أن تداعيات الحرب الحالية وما خلفته من دمار وانهيار تتطلب مغادرة الأفكار والأدوات القديمة التي قادت إلى الانقسام الداخلي.
وشدد في الرسالة أن السؤال المركزي اليوم لم يعد البحث عن المخطئ، بل كيفية إنقاذ الشعب الفلسطيني وحماية قضيته، وإرساء دعائم نظام سياسي يخدم الأجيال القادمة.
المشكلة في بنية النظام لا في التعددية
وفي قراءته لواقع النظام السياسي، أشار دحلان إلى أن التجربة أثبتت أن الأزمة لم تكن يومًا في وجود التعددية الفصائلية (فتح، حماس، وباقي القوى)، بل في غياب قواعد ناظمة لإدارة هذا التعدد عبر المؤسسات.
واعتبر أن تغليب المصلحة الحزبية على الوطنية وإخضاع المؤسسات للتنظيمات حول الاختلاف إلى صراع وانقسام مدمر.
وعلى ضوء ذلك، دعا دحلان إلى مراجعة مسؤولة وشجاعة للماضي دون طمس للحقيقة أو هروب للمسؤولية، موضحاً أن المرحلة الجديدة تبدأ بالاعتراف بأن الأخطاء تفاوتت بين إخفاق في التقدير السياسي وإدارة المؤسسات، وممارسة الإقصاء، واستخدام السلطة والمال العام في الخصومة السياسية، وصولاً إلى الاقتتال الداخلي الذي مثّل جريمة وطنية.
وأكد أن تحريم الدم الفلسطيني واعتماد الحوار وصندوق الاقتراع قواعد أساسية لا غنى عنها، بعيدًا عن لغة السلاح والقوة التي لا تمنح شرعية.
وطرح في رؤيته مسارًا جديدًا ينتقل بالعلاقة بين الفصائل وقوى العمل الوطني من محاولة الإلغاء والإضعاف إلى التنافس الديمقراطي والشراكة في حماية المشروع الوطني، مؤكدًا على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"، وأن الفصيل مهما بلغت قوته لا يملك الدولة، فالمال العام والقضاء والأمن مؤسسات وطنية تخص المواطن وحده، وليست حصصًا حزبية.
ولتحقيق ذلك، اقترح القيادي دحلان صياغة عقد وطني واجتماعي جديد يقوم على 13 مبدأ دستوريًا وقانونيًا ناظمًا، أبرزها اعتبار الشعب مصدر السلطات واعتماد الانتخابات الحرة والدورية أداة لتداولها، وتحريم استخدام السلاح في الصراعات الداخلية وإخضاع القوة المنظمة للسلطة الشرعية والقانون.
إلى جانب بنود أخرى تتعلق بحصر قرار الحرب والسلم بمرجعية وطنية جامعة، واحترام نتائج الانتخابات وعدم الانقلاب عليها، وحماية حقوق المواطن وكرامته، وإبعاد الأجهزة الأمنية عن الحزبية، وإخضاع الجميع للمساءلة والمحاسبة بلا استثناء.
دور الشباب والمرأة في المستقبل
وفي جانب المسؤولية الوطنية، شدد دحلان على أهمية الشراكة الكاملة للمرأة والشباب في صناعة القرار السياسي والمجتمعي، وضرورة تمكينهم بما يتناسب مع حجمهم وتأثيرهم، بعيدًا عن الوصاية الفئوية أو الحزبية.
ولفت إلى أن الهدف ليس استبدال طرف بآخر، بل تفكيك النهج الذي سمح باحتكار السلطة، وفتح طريق مختلف يجعل من التعددية قوة ومن المؤسسات مظلة جامعة لكل الفلسطينيين.
وأكد محمد دحلان، أنّ طرح هذه الرؤية لا تأتي بحثًا عن موقع في النظام القديم أو استبدال طرف بآخر، بل بهدف تغيير النظام الذي سمح باحتكار السلطة والإقصاء، وفق وصفه.
وشدد على ضرورة العمل لإنشاء حركة "فتح" قوية وموحدة وديمقراطية، وجعل جميع القوى والمستقلين والكفاءات شركاء في القرار، قائلًا إنّ الشعب الفلسطيني دفع ثمنُا باهظًا من الدمار والانقسام، ولم يعد مبررًا توريث الأجيال القادمة صراعات الماضي.
