الساعة 00:00 م
السبت 29 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.2 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.45 يورو
2.98 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

قراءة رقمية ترجح أغلبية مريحة لـ "تحالف وطني" مرتقب في الانتخابات التشريعية

رسالة سياسية لدحلان تدعو لمراجعة وطنية شاملة.. فما أبرز ما جاء فيها؟

بالفيديو والصور جثامين عالقة وباقر واحد.. معركة الدفاع المدني لانتشال المفقودين وإغلاق القبور المفتوحة

حجم الخط
انتشال جثامين الشهداء
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

لم تنتهِ الحرب بالنسبة لعائلات آلاف الشهداء الذين ما زالت أجساد أحبائهم عالقة تحت أنقاض البيوت المدمرة في أنحاء قطاع غزة؛ فبعد صمت أصوات القصف، بدأت معركة أخرى لا تقل قسوة، تتمثل بالبحث عن عظام ورفات غيّبها الركام، وانتشالها من بين خمسة أو ستة أسقف مترامية بما تيسر من أدوات، وأحيانًا بالأيدي والأظافر.

بينما ينتظر الأهالي إغلاق قبور فُتحت قبل عامين ونصف، يواصل جهاز "الدفاع المدني" الفلسطيني، البحث عن المفقودين الذين تحول بعضهم إلى رفات، واختفت أجزاء أخرى من أجسادهم بفعل شدة الانفجارات، وسط غياب تام للمعدات الثقيلة والوقود والكادر والمركبات.

نجاة من بين خمسة طوابق

في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2023، قبيل المغرب، كان فادي كرم يجلس مع أفراد من عائلته وجيرانه في منزلهم المؤلف من خمسة طوابق بعد لجوء عائلة "العف" إليهم، حيث تواجد الرجال في غرفة الضيافة، والنساء في الطابق العلوي، وأخرى في البدروم.

يقول كرم لـ "وكالة سند للأنباء" إن المنزل استُهدف بنحو أربعة أو خمسة صواريخ ضمن حزام ناري رغم خلوه من أي نشاط عسكري.

قبل القصف بدقائق، أعدت والدته شراب الليمون والسكري للضيوف، بينما نزل كرم إلى البدروم ليستعد لصلاة المغرب، ولحقه نجله أحمد (9 سنوات) حاملاً كيسًا من الشوكولاتة ليعرضه على والده الذي طلب منه الانتظار ريثما يصلي: "ما كملت أتوضى، صارت الضربة"، يضيف كرم، موضحًا أن السقف انهار على نجله فاستشهد في المكان.

ومع انقطاع الكهرباء، أضاء كشافه ليجد البدروم غارقًا في الغبار والدخان والحجارة. ومن فتحة لا تتجاوز 30×30 سنتيمترًا، تمكن الناجون من الخروج بين الركام بمساعدة الجيران غداة غياب الدفاع المدني والاتصالات.

لكن النجاة كانت بداية الصدمة؛ فقد خرج كرم ليجد المنزل ركامًا مطبقًا. ومن أصل نحو 40 شخصًا تواجدوا في المكان، استشهد 20 فردًا بينهم والداه وإخوته ونجله أحمد، بينما بقيت جثامين تحت الأنقاض.

وتم انتشال 18 أو 19 جثمانًا، لم يكن معظمها قابلاً للتعرف عليه باستثناء والده، فيما لا تزال بقايا نجله وابنة أخيه عالقة ومتحللة تحت الأنقاض.

5cfb6f6d-85c7-4eab-acf6-de2bb86944d1.jpg
 

عامان ونصف من الانتظار

وفي قصة أخرى، ينتظر محمد أبو شمالة، ابن شهيدة وشقيق شهداء، إغلاق قبور فتحت لعائلته منذ نحو عامين ونصف ولم تُغلق بصورة كاملة؛ في 11 مارس/ آذار 2024، تزامناً مع أول أيام شهر رمضان وبينما كان أفراد العائلة يستعدون للسحور أو يؤدون قيام الليل، تعرض منزلهم للاستهداف.

يروي أبو شمالة لـ "وكالة سند للأنباء" أن معظم أفراد العائلة استشهدوا على الفور، وبقي أربعة في عداد المفقودين تحت الأنقاض. ومنذ ذلك اليوم، لم ينقطع السؤال عن مكان رفاتهم وسط تعقيدات بالغة فرضتها تطاير الأشلاء وتغير الأماكن بفعل الانفجارات وضعف الإمكانات.

294cfa20-ff23-4a1b-a9d3-270c85dfe923.jpg
 

وعند بدء عمليات الانتشال، وقف أفراد العائلة جنبًا إلى جنب مع الطواقم يبحثون بين التراب عن عظمة أو قطعة ملابس مهترئة.

حملت لحظة العثور مشاعر متناقضة من راحة عودة الجزء وألم فتح جرح الفقد، لتبين لاحقًا أن ما أُخرج لم يكن سوى رفات شخصين من أصل أربعة بعد إرسالها للطب الشرعي، ويؤكد أبو شمالة أن العثور عليهم يمنح العائلة فرصة أخيرة لإغلاق قبور بقيت مفتوحة لسنوات طويلة.

8000 جثمان وباقر واحد

مسؤول ملف الانتشال في الدفاع المدني، محمد أبودان، يقول لـ "وكالة سند للأنباء" إن تقديرات الجهاز تشير إلى وجود نحو 8 آلاف جثمان تحت الأنقاض، مضيفًا أن المرحلة الأولى أسفرت عن استخراج نحو 330 جثمانًا، بينما شهدت المرحلة الثانية حتى الآن انتشال 192 جثمانًا، مع تركز العدد الأكبر في مدينة غزة وشمال القطاع.

تصطدم عمليات البحث بعوائق هائلة تتمثل في غياب المعدات الثقيلة، ونقص الكادر البشري، وعدم توفر السولار ومركبات الإنقاذ وغياب الرواتب والمكافآت للطواقم.

ويعمل حاليًا في مشروع الانتشال باقر حفار واحد فقط، بينما تحتاج الطواقم إلى كباش وقلاب ومولدات كهرباء ومعدات قص ومستلزمات سلامة لتفادي استمرار العمل لسنوات طويلة طائلة.

رفات تحول إلى دليل على أصحابها

لا تقتصر مهمة الدفاع المدني على رفع الركام، إذ تحولت جثامين كثيرة إلى عظام وبقايا يصعب التعرف عليها.

وتستدل الطواقم على الهوية من المقتنيات الشخصية في الملابس، أو العلامات في الهيكل العظمي كالصلصال والصفائح المعدنية والعيون الصناعية أو الحلي والأحذية الباقية.

وتُسلّم الرفات بعد استخراجها إلى الأدلة الجنائية والطب الشرعي لأخذ عينات وحفظها انتظارًا لأي مشاريع فحص مستقبلية لم تصل بعد.

وفي حالات عدة، تسببت قوة الصواريخ والموجات الانفجارية في تبخر أجساد بالكامل، وهو ما أُبلغ به الصليب الأحمر. وتواجه الطواقم مخاطر إضافية متمثلة بالذخائر غير المنفجرة التي تتطلب تدخل هندسة المتفجرات.

049b3f59-a33c-4286-90d2-958fcc4d6ac1.jpg
 

رغم قسوة المهمة وشح الإمكانيات التي تقتصر على دعم محدود في السولار وأجرة الباقر من مؤسسات مثل "أوتشا" والصليب الأحمر، يقطع الدفاع المدني عهداً على نفسه بانتشال رفات الأبناء وتكريمها. ويطالب المسؤولون المجتمع الدولي بإدخال الحفارات والجرافات والمركبات الثقيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وبالنسبة لعائلات المفقودين، لا يعني انتشال الرفات نهاية الأحزان، لكنه يخفف جرحًا ظل ينزف لأكثر من عامين وألف يوم، ليظل حضور طواقم الدفاع المدني في الجنازات ومشاركة الأهالي دفن أحبائهم آخر ما يمكن تقديمه لمن طال انتظارهم.