في مشهد دموي يعكس تكامل الأدوار بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين، عاشت بلدة المغير شمال شرق رام الله ليلة صعبة ومواجهات ضارية أسفرت عن ارتقاء شهيدين، وسط حصار مطبق وتصعيد استيطاني متواصل.
واندلعت شرارة الأحداث الدامية في القرية إثر هجوم شنّه المستوطنون استهدف منزلين لسليمان وشحادة كعابنة، حيث أقدم المستوطنون على سرقة أغنام وتوغلوا وصولاً إلى وسط البلدة.
بالتزامن مع ذلك، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال القرية وانتشرت في حاراتها لفرض طوق منع الأهالي من التوجه إلى المنطقة المستهدفة لنصرة أهاليهم، تخلل ذلك اقتحام للمنازل واندلاع مواجهات ضارية أطلق خلالها جنود الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الغاز بكثافة، فضلاً عن إغلاق مدخل القرية وعرقلة وصول طواقم الإسعاف لإنقاذ المصابين ونقلهم إلى المستشفى.
حصار مطبق لتمهيد هجمات المستوطنين
يؤكد رئيس مجلس قروي المغير، أمين أبو عليا، أن القرية تعيش منذ أيام تحت حصار وضغط متواصلين فرضتهما قوات الاحتلال بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، قائلًا إنّ هذا الواقع انتهى بهجوم جديد أفضى إلى استشهاد اثنين من أبناء القرية.
ويوضح أبو عليا في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أن المغير تتعرض منذ أيام لإغلاق مداخلها والتضييق على حركة الأهالي، في وقت تتحرك فيه مجموعات المستوطنين في محيط القرية وتهاجم الأراضي والممتلكات تحت حماية قوات الاحتلال.
ويضيف أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على أطراف القرية والأراضي الزراعية، بل وصلت إلى داخل المغير، في ظل اقتحامات متكررة ومحاولات لسرقة ممتلكات المواطنين والاعتداء عليهم، ما وضع الأهالي أمام حالة دائمة من الخطر والاستنفار.
ويلفت إلى أن الهجوم الأخير شهد اقتحام مستوطنين، ترافقهم قوات الاحتلال، وسط القرية قرب المسجد الكبير، والاعتداء على منازل المواطنين وسرقة أغنام، فيما اعتلى قناصة من جيش الاحتلال مباني في المنطقة.
ويُبيّن أبو عليا أن الأهالي حاولوا التصدي للمستوطنين ومنعهم من سرقة الأغنام، قبل أن يطلق قناصة الاحتلال الرصاص الحي باتجاه المواطنين، ما أدى إلى إصابات خطيرة انتهت باستشهاد اثنين من أبناء القرية.
ويؤكد أن ما جرى لم يكن حادثًا منفصلًا، بل نتيجة مباشرة لحالة الحصار والحماية التي توفرها قوات الاحتلال للمستوطنين، معتبرًا أن إغلاق القرية والتضييق على سكانها يهيئان المجال أمام هذه المجموعات لتصعيد هجماتها ضد الأهالي وممتلكاتهم.
ويشير إلى إن المغير باتت تعيش مواجهة شبه يومية مع المستوطنين، تتنوع بين الاعتداء على المواطنين، وسرقة المواشي، ومهاجمة المنازل والأراضي الزراعية، ومحاولات فرض واقع جديد يهدف إلى دفع السكان للتراجع عن أراضيهم.
ويشدد أبو عليا أن أهالي المغير متمسكون بقريتهم وأراضيهم رغم الاستهداف المتواصل، مؤكدًا أن سقوط الشهداء وتصاعد الاعتداءات لن يدفع السكان إلى الرحيل، وإنما يزيدهم إصرارًا على حماية أرضهم والبقاء فيها.
ويطالب بتحرك فلسطيني ودولي لوقف الاعتداءات المتصاعدة محذراً من أن استمرار الحصار وتوفير الحماية للمستوطنين ينذران بمزيد من الاعتداءات وسقوط مزيد من الضحايا.
من جانبه، يضعنا مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة الغربية، محمد مطر، في صورة أعمق، مبينًا أن استشهاد الشابين يندرج في سياق استخدام الحكومة الإسرائيلية اليمينية للمستوطنين أداة مركزية للقتل والتهجير تحت غطاء رسمي.
ويوضح مطر لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه المجموعات تحظى بالحماية لتنفيذ اعتداءات ممنهجة، لافتاً إلى أن المغير تمثل نموذجاً صارخاً لمعاناة تمتد نحو عقدين، بحكم موقعها الاستراتيجي على شارع "ألون" وامتداد أراضيها نحو 40 ألف دونم من السفوح الشرقية حتى الأغوار، مما جعلها هدفاً تاريخياً لمخططات السيطرة منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويشدد على صمود الأهالي وتمسكهم بأرضهم بشعار: "لن نخرج من قرانا إلا إلى السماء"، مبيناً أن القرية قدمت نحو 15 شهيداً وثمناً باهظاً في مواجهة اعتداءات شبه يومية تستهدف الوجود الفلسطيني.
ولم تتوقف تداعيات هذا المشهد عند حدود المغير، بل تتسع دائرة الحدث وتتقاطع خيوطه وفق ما يؤكده الناشط في قضايا الاستيطان، بشار قريوتي، الذي يوضح أن الضفة الغربية بأكملها عاشت ليلة دامية تكالبت فيها جرائم المستوطنين مع حملات عسكرية واسعة من المداهمات والاعتقالات والتنكيل الممنهج الذي ينفذه جيش الاحتلال في عدد من المحافظات والبلدات.
ويشير قريوتي لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن ما جرى في المغير لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الأوسع؛ فهو يعكس مشهداً متكاملاً وخطيرة من الاعتداءات المزدوجة التي تتوزع الأدوار فيها بين الجيش والميليشيات الاستيطانية.
وقد توازى هذا العدوان مع اقتحامات واسعة طالت قرية دوما وأسفرت عن اعتقال 11 مواطناً، بالتزامن مع حملات اعتقال واسعة ومداهمات ليلية طالت منازل المواطنين في قراوة بني حسان بسلفيت وبلدة أذنا في الخليل.
وفي الشمال، اتسعت رقعة التنكيل لتشمل مدينة سبسطية بنابلس التي شهدت حملة اعتقالات واسعة طالت أكثر من عشرين مواطناً ومواطنة خلال ساعات الليل وحدها، وسط إغلاق تام وتفتيش دقيق للمنازل.
ويحذر قريوتي من أن هذا التزامن الممنهج والتصعيد المتسارع في مختلف مناطق الضفة يكشف بوضوح عن عمل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمستوطنين كجهاز واحد ومنظومة متكاملة تستهدف إرهاب الشعب الفلسطيني وكسر إرادته ودفعه نحو التهجير القسري.
وينتقد في الوقت ذاته حالة الصمت والعجز الدولي المطبق، والتي تمنح الاحتلال ومستوطنيه ضوءاً أخضر ومظلة أمان لمواصلة استباحة الدم الفلسطيني وتصعيد جرائمهم دون أي رادع حقيقي.
