الساعة 00:00 م
الجمعة 04 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.07 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

متابعة خاصة بالفيديو باب العامود.. ساحة الشهداء وشرارة المواجهة في القدس

حجم الخط
مواجهات باب العامود
القدس - وكالة سند للأنباء

على مدار سنوات، لم يعد باب العامود في مدينة القدس مجرد بوابة تاريخية للبلدة القديمة، بل تحول إلى مسرح متكرر لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وساحة مفتوحة للمواجهة مع الفلسطينيين، حيث تتقاطع في المكان عمليات إطلاق النار والاعتقالات والتنكيل بالمقدسيين، مع احتجاجات شعبية ومواجهات متواصلة رفضًا لسياسات الاحتلال ومحاولات فرض السيطرة على المدينة.

وفجر اليوم الجمعة، عاد باب العامود ليشهد جريمة جديدة، بعدما أطلقت قوات الاحتلال النار على شاب فلسطيني قرب المنطقة، ما أدى إلى استشهاده في المكان، مدعياً الاشتباه بمحاولته تنفيذ عملية طعن.

وعقب استشهاد الشاب، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى باب العامود ومحيط البلدة القديمة، وفرضت طوقًا على المنطقة وشددت إجراءاتها بحق الفلسطينيين، ما أعاق وصول المصلين إلى المسجد الأقصى المبارك لأداء صلاة الفجر.

باب العامود.. ذاكرة حافلة بالدم

ويحمل باب العامود ذاكرة ثقيلة من جرائم الاحتلال، إذ شهد خلال السنوات الماضية إعدامات ميدانية وإطلاق نار مباشر بحق شبان فلسطينيين، بالتزامن مع تحويل المنطقة إلى نقطة انتشار أمني وعسكري دائم.

ولعل أبرز المحطات التي رسخت مكانة باب العامود كساحة للمواجهة كانت هبّة باب العامود عام 2021، التي اندلعت بعد محاولة الاحتلال فرض قيود على الفلسطينيين في ساحة الباب خلال شهر رمضان.

ففي منتصف أبريل/نيسان 2021، نصبت شرطة الاحتلال حواجز حديدية عند درجات باب العامود، في محاولة لمنع المقدسيين من الجلوس في المكان خلال ليالي رمضان، ما فجّر احتجاجات شعبية واسعة ومواجهات ليلية استمرت أيامًا.

ومع تصاعد المواجهات، اضطر الاحتلال إلى إزالة الحواجز، في مشهد اعتبره المقدسيون انتصارًا لإرادتهم الشعبية، قبل أن تتسع الأحداث لاحقًا إلى مختلف أنحاء القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

وشكّلت هبّة باب العامود محطة مفصلية في موجة الاحتجاجات الفلسطينية التي شهدتها القدس خلال ربيع 2021.

ولم تكن الهبّة مجرد احتجاج على حواجز حديدية؛ فقد جاءت في سياق متراكم من التضييق على المقدسيين ومحاولات الاحتلال تغيير واقع المدينة، بالتزامن مع الاعتداءات على المسجد الأقصى ومحاولات تهجير أهالي حي الشيخ جراح.

إعدام ميداني..

وبعد أشهر من هبّة باب العامود، شهدت المنطقة جريمة إعدام ميداني جديدة، حين أطلقت قوات الاحتلال النار على الشهيد محمد شوكت سليمة، من مدينة سلفيت، في 4 ديسمبر/كانون الأول 2021، قرب باب العامود.

وأفادت مصادر فلسطينية آنذاك بأن قوات الاحتلال أطلقت النار على "سليمة" من مسافة قريبة، بعد إصابته، ومنعته من تلقي الإسعاف، قبل أن يرتقي شهيدًا، وارتبط اسمه بصورة مباشرة بباب العامود، حتى بات أحد أبرز الشهداء الذين ارتقوا في المنطقة.

ولم تكن جريمة استشهاد "سليمة" منفصلة عن موجة التصعيد التي شهدتها القدس آنذاك؛ ففي 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 استشهد الفتى عمر إبراهيم أبو عصب، 16 عامًا، برصاص الاحتلال في البلدة القديمة، في أعقاب عملية طعن قرب منطقة باب العامود.

ثم استشهد في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الشاب فادي محمود أبو شخيدم، 42 عامًا، من مخيم شعفاط، عقب اشتباك مسلح في طريق السلسلة بالبلدة القديمة.

وتكشف هذه الوقائع عن طبيعة المرحلة التي عاشتها القدس في ذلك الوقت، حيث تحولت مداخل البلدة القديمة وأزقتها إلى نقاط اشتباك متواصلة، بينما كثف الاحتلال انتشار قواته وعمليات الاعتقال والملاحقة.

وفي 30 أغسطس/آب 2023، عاد اسم باب العامود إلى واجهة المشهد الدموي، مع استشهاد الطفل المقدسي خالد سامر الزعانين، برصاص قوات الاحتلال قرب المنطقة.

وكان "الزعانين" يبلغ من العمر 17 عامًا وفق مصادر مقدسية، وأصيب برصاص الاحتلال وترك ينزف في المكان قبل أن يرتقي شهيدًا.

وتضاف جريمة استشهاد "الزعانين" إلى سلسلة طويلة من عمليات إطلاق النار التي شهدتها المنطقة ومحيط البلدة القديمة، والتي استهدفت فلسطينيين في ظل استخدام الاحتلال للقوة المميتة في التعامل مع المواجهات والعمليات الفردية.

من الجريمة إلى المواجهة

وفي المقابل، اكتسب باب العامود مكانة خاصة في الوعي الشعبي الفلسطيني، بعدما تحول على مدار السنوات إلى إحدى أبرز ساحات الاحتجاج والمواجهة الشعبية في القدس.

وشهدت ساحته ومحيطه عشرات الفعاليات والمسيرات والاحتجاجات، فضلًا عن مواجهات متكررة بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، خصوصًا خلال فترات التصعيد التي شهدتها المدينة والبلدة القديمة.

وكانت محاولات الاحتلال فرض قيود على الفلسطينيين في المنطقة، بما في ذلك إغلاق الساحة ونصب الحواجز وتشديد التفتيش، سببًا في اندلاع موجات من الاحتجاج والمواجهة، لتتحول إجراءات الاحتلال نفسها إلى وقود لتحركات شعبية واسعة.

باب العامود في قلب معركة القدس

وتنبع أهمية باب العامود من موقعه الذي يجعله مدخلًا رئيسيًا إلى البلدة القديمة، وقريبًا من المسجد الأقصى المبارك، الأمر الذي جعله على الدوام في قلب الصراع على القدس.

ولهذا، لم تتعامل سلطات الاحتلال مع المنطقة باعتبارها ممرًا للمواطنين فحسب، بل فرضت فيها حضورًا أمنيًا كثيفًا، وضيقت على الفلسطينيين، في محاولة لتقييد حركتهم وفرض واقع جديد في أحد أبرز معالم المدينة.

وفي كل مرة تُشدد فيها قوات الاحتلال قبضتها على باب العامود، سرعان ما تتحول المنطقة إلى ساحة احتجاج ومواجهة، في مشهد يعكس طبيعة الصراع المستمر على هوية القدس وحق الفلسطينيين في مدينتهم ومقدساتهم.

ساحة لا تهدأ

ويكشف تكرار الجرائم والاعتداءات في باب العامود عن سياسة أوسع ينتهجها الاحتلال في القدس، تقوم على التضييق والقتل والاعتقال والقمع، إلى جانب إجراءات تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للمدينة.

ورغم ذلك، بقي باب العامود حاضرًا في المشهد الفلسطيني باعتباره مساحة للصمود الشعبي، وواحدًا من أبرز رموز المواجهة في القدس؛ فالمكان الذي شهد دماء فلسطينية متكررة، ظل في الوقت ذاته ساحة يهتف فيها المقدسيون ويرفضون محاولات إخضاعهم.

ومن هنا، فإن جريمة فجر اليوم لا تبدو حادثة معزولة في تاريخ باب العامود، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم والاعتداءات، في منطقة باتت تختصر جانبًا من المشهد المقدسي: احتلال يحاول فرض السيطرة بالقوة، وفلسطينيون يتمسكون بالمدينة ويواجهون سياساته في الميدان.