في مشهد إنساني يختزل أهوال حرب الإبادة وتبعاتها الممتدة، شيّع مئات الفلسطينيين صباح اليوم الأحد، 100 شهيد في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، بعد أن ظلّت جثامينهم محتجزة تحت ركام منازلهم المدمرة لنحو ثلاثة أعوام.
وتوافد المواطنون منذ ساعات الصباح الأولى لوداع أحبائهم في أجواء حزن وقهر ثقيلة، وسط تقارير محلية ميدانية تشير إلى أن نسبة الأطفال تبلغ 70% من مجموع من تم انتشال رفاتهم.
وجاءت هذه المراسم بعد جهود مضنية وعمليات بحث بالغة التعقيد قادتها طواقم الدفاع المدني وسط شح هائل في الآليات والمعدات الثقيلة، الأمر الذي حال دون الوصول إلى الضحايا طوال المدة الماضية، ليتحول ركام المنازل مع مرور الوقت إلى مقابر مفتوحة تنتظر من ينتشلها.
وأظهرت مقاطع الفيديو والصور المتداولة مشاهد مؤثرة أثناء التحضير مساء أمس السبت لمراسم التشييع، إذ احتشد الناجون من عوائل الشهداء أمام رفات وأكفان أحبائهم التي لُفّت بأعلام فلسطين، مترقبين لحظة دفنهم التي تأجلت لشهور طويلة.
آلاف الجثامين تحت الركام
وقال مسؤول الشؤون الإنسانية في المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة، محمد المغير، إن مأساة المفقودين تحت الأنقاض لا تزال مفتوحة، مشيرًا إلى أن التقديرات تتحدث عن وجود نحو 8 آلاف جثمان عالق تحت الركام في مختلف مناطق القطاع.
وأوضح المغير في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أن الطواقم تمكنت خلال الفترة الماضية وبعد أكثر من 381 ساعة من العمل الميداني، من انتشال 233 جثمانًا ورفاتًا من أصل 407 مفقودين تحت أنقاض 20 منزلًا فقط في محافظة غزة، كان من بينهم 73 طفلًا و106 نساء.
وأشار إلى أن ما يجري في حي الزيتون يمثل نموذجًا صارخًا للكارثة؛ إذ تم انتشال جثامين ورفات أكثر من 100 شهيد، بينهم نحو 70 طفلًا، من ضمنهم 55 شهيدًا من عائلة "ملكة" وحدها، كانوا قد لجأوا إلى منزل هربًا من القصف قبل أن يُدمَّر فوق من بداخله.
وبيّن أن طبيعة الجثامين المستخرجة تعكس قسوة الظروف التي مرّت بها؛ حيث عُثر على أجساد ممزقة ومبتورة وأشلاء عالقة بين الحديد والباطون، بينما تحولت أجساد أخرى بفعل طول المدة إلى رفات يصعب التعامل معها، كاشفة عن إبادة عائلات بأكملها لم يتبقَ لذويها سوى البحث عن بقايا لدفنها.


وأكد المغير أن استمرار عمليات الانتشال يصطدم بعقبات كبرى تتمثل في نقص الآليات الثقيلة وتعقيد الركام، مشددًا أن ما يُنتشل كل يوم ليس مجرد رفات، بل شهادات حية على حجم الإبادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة، وأن فصول المأساة لن تُغلق إلا بتمكين العائلات من وداع موتاهم ودفنهم بما يليق بكرامتهم.

