في مثل هذا اليوم، السادس من سبتمبر/ أيلول قبل 5 أعوام، أفاقت البلاد على أخبار أكبر عملية هروب نوعية من سجون الاحتلال الإسرائيلي، مست المنظومة الأمنية الإسرائيلية وأربكتها، حملت اسم "نفق الحرية"؛ ذلك الحلم الذي لا زال يراود اثنين من أبطال العملية الستة.
ففي صباح ذلك اليوم عام 2021، تمكّن ستة أسرى فلسطينيين من الخروج عبر نفق حفروه بنفس طويل وبهدوء تام في أرضية سجن “جلبوع” شديد التحصين، أملا بنيل الحرية التي ذاقوها لأيام معدودة، قبل أن يعيد الاحتلال اعتقالهم لاحقًا، ويفرض أحكاما إضافية عليهم فوق أحكامهم السابقة.
محمود العارضة، ومحمد العارضة، ويعقوب قادري، وأيهم كممجي، ومناضل انفيعات، وزكريا الزبيدي، أسماء حفظها الفلسطينيون عن ظهر قلب، بعد أن تمكنوا من الخروج من فوة النفق، إلى خارج أسوار السجن، والابتعاد عنه، قبل اكتشاف أمرهم.
وعند اكتشاف إدارة السجن الحدث، باشرت شرطة الاحتلال ووحدات حرس الحدود البحث عن الأسرى بالتعاون مع جهاز "الشاباك"، وباستخدام الكلاب البوليسية.
وأقيمت المئات من الحواجز ونقاط تفتيش في محيط السجن وفي مختلف الأنحاء، بما في ذلك قرب الحدود مع قطاع غزة، تحسبا لاحتمال توجههم إلى هناك.
كما تم نشرت قوات إضافية على الحدود مع الأردن ومنطقة التماس مع الضفة الغربية، ونفذت قوات الاحتلال عمليات بحث في محيط جنين التي ينحدر منها الأسرى الستة.
وعرفت العملية بـ "نفق الحرية"، وعلى إثرها عمّ الفرح في الشارع الفلسطيني والعربي، وحظي الأسرى بحالة تضامن واسعة وكبيرة جدًا، قبل أن تخيّم مشاعر الحزن والاستياء بعد إعادة اعتقالهم.
فقد أعاد الاحتلال اعتقال الأسيرين يعقوب قادري ومحمود عارضة في مدينة الناصرة، بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول، وبعدها بيوم واحد أعاد اعتقال زكريا الزبيدي ومحمد عارضة قرب بلدة الشبلي في منطقة الجليل الأسفل.
أما الأسيران أيهم كممجي ومناضل انفيعات، فقد نجحا بالوصول إلى جنين، إلا أن قوات الاحتلال أعادت اعتقالهما في 19 سبتمبر/أيلول، بعد محاصرة وحدات خاصة من جيش الاحتلال المنزل الذي كانا يتواجدان فيه.
انتقام وتنكيل جماعي
وفور إعادة اعتقال الأسرى الستة، بدأ الاحتلال التنكيل بهم، وضربهم وإخضاعهم لتحقيقاتٍ قاسية، واحتجزهم في زنازين تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية مع مراقبة بكاميرات طوال الوقت، وعزلهم عن العالم الخارجي، وحرمهم العلاج، ومن "الكانتينا"، وزيارة الأهل والمحامين، إلى جانب الكثير من الإجراءات القمعية.
وبعد جلسات محاكمة عديدة للأبطال الستة، أصدرت المحكمة الإسرائيلية في 22 مايو/ أيار 2022، أحكامًا بالسجن لـ 5 أعوام على الأسرى الستة.
ولم تقتصر الإجراءات الانتقامية على الأسرى الستة، بل أصدرت محكمة الاحتلال أحكامًا بالسجن لـ 4 سنوات على ـخمسة أسرى آخرين بتهمة مساعدتهم، وهم محمود أبو اشرين وقصي مرعي من جنين، وعلي أبو بكر ومحمود أبو بكر من يعبد، وإياد جرادات من سيلة الحارثية.
كما طالت الإجراءات الانتقامية بقية الأسرى في سجون الاحتلال، والذين عاشوا ظروفاً بالغة الصعوبة، من تنكيل واقتحامات، واعتداءات، الأمر الذي أدى إلى تزايد حدة التوتر، ودفع الأسرى لخوض خطوات وإضرابات عن الطعام، للحفاظ على ما تبقى من منجزات انتزعوها عبر سنوات طويلة.
من "نفق الحرية" إلى "طوفان الأحرار"
وضمن صفقة “طوفان الأحرار”، التي أبرمت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والتي حررت بموجبها المقاومة نحو ألفي أسير، نال أربعة من أبطال "نفق الحرية" حريتهم، وهم: أيهم كممجي، ومحمود العارضة، ومحمد العارضة، وزكريا الزبيدي.
أما الأسيران يعقوب قادري، ومناضل انفيعات، فلم ينالا حريتهما بعد، وما زالا يقبعان خلف القضبان وسط العزل والتنكيل والتضييق.
والأسير يعقوب محمود قادري (53 عامًا)، من منطقة بير الباشا قضاء جنين، ما يزال معزولًا في سجن "جانوت"، ويواجه حكمًا بالمؤبد المكرر مرتين و35 عامًا.
ويعتقل الاحتلال الأسير يعقوب منذ عام 2003، وهو يعاني من عدة مشاكل صحية، أبرزها مشاكل في الغدد الليمفاوية، وغضروف في الظهر، وارتفاع ضغط الدم.
وخلال سنوات اعتقاله، تمكّن من إكمال مرحلة البكالوريوس في تخصص التاريخ من جامعة الأقصى في غزة، إلا أنه عاش ألم فقدان والديه خلال فترة اعتقاله دون أن يتمكن من وداعهما.
أما الأسير مناضل يعقوب انفيعات (29 عامًا)، من بلدة يعبد قضاء جنين، فيقبع في العزل الانفرادي بسجن "جانوت"، وسط أوضاع صحية صعبة.
واعتُقل انفيعات بتاريخ 11/2/2020، وكان محكومًا حينها بالسجن عامين ونصف، قبل أن يشارك في نفق الحرية، ليضيف الاحتلال إلى حكمه لاحقًا 5 سنوات جديدة، ليصبح حكمه النهائي سبع سنوات ونصف، إضافة إلى غرامة مالية بقيمة 10 آلاف شيقل.
ويعاني الأسير انفيعات داخل العزل من ضيق في التنفس، وآلام ومشاكل في المعدة، كما فقد نحو 15 كيلوغرامًا من وزنه.
ينتظر الأسيران قادري وانفيعات لحظة الخروج من السجن والعزل كما رفاقهما من قبل، فيما يواصلان مواجهة سياسات التنكيل والعقوبات والانتهاكات المستمرة بحقهما وبحق جميع الأسرى في سجون الاحتلال.
وتشير معطيات مؤسسات الأسرى، إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحتجز في سجونه أكثر من 9400 أسير فلسطيني، بينهم 92 أسيرة و3324 معتقلًا إداريًا، إضافة إلى 1316 معتقلًا تصنفهم سلطات الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين".
