في زاوية من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تقف تالا درويش أمام كاميرتها داخل كوخ صغير من الخشب، لا يشبه المكان الاستوديو الذي كانت تعمل فيه قبل الحرب، ولا تتوافر فيه تجهيزات العمل التي اعتادت عليها، لكنه بالنسبة لها يعني شيئاً واحداً هو العودة.
من ألواح خشبية جمعتها من صناديق المساعدات والبضائع، بنت الصحفية الشابة استوديو جديدا، بعدما دمّر القصف الإسرائيلي الاستديو الخاص بها السابق، وأفقدها مكان عملها وجزءً كبيراً من معداتها.
خشب المشاطيح
لم تكن تالا تملك كثيراً من الخيارات، مواد البناء شحيحة، والتنقل بين مناطق القطاع لنقل المعدات مرهق، فيما لم تعد الخيمة التي صورت فيها برنامجها متاحة.
بدأت تجمع ألواح الخشب قطعةً قطعة، وتكدسها حتى تمكنت من إقامة كوخ صغير على سطح منزلها، تقول إن الفكرة جاءت من رغبتها في امتلاك مكان ثابت للعمل، بدلاً من مواصلة التنقل بمعداتها من جنوب القطاع إلى شماله.
وتضيف تالا لـ"وكالة سند للأنباء": "حاولت أفكر بطريقة تريحني الآن وللمستقبل، فوجدت أن أنسب طريقة أني أتعب حالياً عشان أرتاح بعدين".
من استوديو إلى خيمة نزوح
قبل الحرب، كانت تالا تعمل من استوديو خاص مجهز لإنتاج برامجها ومحتواها، دمّر الاحتلال المكان، فتوقفت عن العمل لفترة، وتزامن ذلك مع النزوح والتنقل بين مناطق القطاع.
حاولت تالا استعادة ما يمكن من معداتها من تحت الأنقاض، وأصلحت بعضها، فيما اشترت ما فقدته من السوق المحلية رغم ارتفاع الأسعار وشح المعدات.
كانت الخيمة أول محطة في عودتها، هناك صورت برنامجها "ع بلاطة"، في ظروف لم تكن سهلة للتسجيل أو التصوير، قبل أن تنتقل إلى الكوخ الخشبي الذي أصبح الاستوديو الجديد الخاص بها.
بالنسبة إلى تالا، العودة إلى العمل لا تتعلق بالكاميرا وحدها، فهي تريد أن تفتح مساحة لأشخاص لا تظهر قصصهم عادة في الصور والتغطيات اليومية، وأن تستمع إلى تجاربهم خلال الحرب والجوع والنزوح والخوف.
وتقول، إن كل برنامج تحاول من خلاله نقل حكايات أشخاص لم توثق الكاميرات معاناتهم، أو لم يجدوا فرصة للحديث عنها.
وتختصر تالا سبب إصرارها على الاستمرار بالقول: "نجوت من الموت كثيراً لأوصل رسالة غزة"، مضيفة أن بناء الاستوديو أعاد إليها الرغبة في العمل ومواصلة إيصال هذه الرسالة.
في غزة، حيث تغيّرت تفاصيل الحياة اليومية بفعل الحرب، لم تستطع تالا إعادة الاستديو القديم الخاص بها، لكنها بنت مكاناً آخر بما توفر حولها.
ألواح كانت جزءاً من صناديق مساعدات أصبحت جدراناً، وركن صغير فوق منزل تحول إلى مساحة تعود منها صحفية إلى عملها، وتواصل الحديث عن الناس الذين ما زالت الحرب حاضرة في تفاصيل حياتهم.
