سلطت صحيفة الغارديان البريطانية، الضوء على ارتدادات سياسية متزايدة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، بعدما بدأ الناخبون في رفض عدد من خيارات المؤسسة الحزبية التقليدية لصالح مرشحين جعلوا مساءلة السياسة الأميركية تجاه إسرائيل ومعاناة الفلسطينيين في غزة محوراً لحملاتهم الانتخابية.
وأشارت الغارديان إلى أن الحزب الديمقراطي يواجه حساباً سياسياً متأخراً بسبب الطريقة التي تعامل بها مع أصوات الفلسطينيين والأميركيين من أصول فلسطينية خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة. و
اعتبرت الصحيفة أن تجاهل هذه الأصوات لم يعد قضية هامشية، بعدما بدأت انعكاساته تظهر داخل الانتخابات التمهيدية للحزب وفي النقاش حول مستقبله السياسي.
وذكرت الصحيفة أن روى رومان، وهي أول امرأة مسلمة تُنتخب لعضوية مجلس نواب ولاية جورجيا، قالت إن قيادة الحزب الديمقراطي أوصلت إليها خلال المؤتمر الوطني لعام 2024 رسالة مفادها أن منصة الحزب يمكن أن تستضيف جمهوريين محافظين ينتقدون دونالد ترامب، لكنها لم تكن مستعدة لمنح مساحة مماثلة لفلسطينيين أميركيين للحديث عن غزة.
وأوضحت الغارديان أن هذه السياسة ظهرت في وقت كانت فيه الحرب الإسرائيلية على غزة قد خلقت تحولاً واضحاً في مواقف القاعدة الديمقراطية.
ونقلت الصحيفة عن استطلاع أجري في مايو/أيار أن 60% من الناخبين الديمقراطيين المحتملين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، بينما قال 48% إن الحزب الديمقراطي يقدم دعماً لإسرائيل أكثر مما ينبغي.
دعم متزايد لفلسطين
ربطت الصحيفة بين هذه التحولات وبين نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب خلال 2026، مشيرة إلى أن عدداً من المرشحين الذين تحدوا خيارات المؤسسة الديمقراطية ركزوا على التعاطف مع الفلسطينيين ومساءلة المسؤولين عن الخسائر البشرية في غزة. وبرز عبد السيد في ميشيغان، الذي جعل معارضته للوبي المؤيد لإسرائيل جزءاً أساسياً من حملته الانتخابية.
وأظهرت حرب الإبادة في غزة بذلك تأثيراً يتجاوز حدود السياسة الخارجية الأميركية، بعدما أصبحت المساعدات العسكرية لإسرائيل وطريقة تعامل واشنطن مع الحرب موضوعاً انتخابياً داخل الولايات المتحدة.
ووفق الغارديان، فإن هذا التحول يفرض على الديمقراطيين إعادة النظر في العلاقة بين سياساتهم الخارجية وبين مطالب قطاعات من قاعدتهم الانتخابية التي باتت أكثر انتقاداً للدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
وانتقدت الصحيفة أداء إدارة جو بايدن خلال الأشهر الأولى للحرب، وقالت إن الإدارة واصلت دعم دولة الاحتلال رغم الانتقادات المتعلقة بالعمليات العسكرية في غزة، بينما لم تُظهر استعداداً كافياً لمواجهة الحكومة الإسرائيلية بشأن الخسائر الفلسطينية.
أزمة قيادة
أبرز التقرير أن الحرب خلقت كذلك أزمة داخلية في الإدارة الديمقراطية نفسها، مع وجود مسؤولين وموظفين رأوا أن المعلومات المتعلقة بالحرب والسياسة الإسرائيلية حظيت بمعاملة حساسة داخل دوائر صنع القرار.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين سابقين أن بعض العاملين في أجهزة الاستخبارات شعروا بوجود ضغوط لصياغة التحليلات بطريقة تتوافق مع تفضيل الإدارة الحفاظ على علاقة وثيقة مع تل أبيب.
وتناولت الغارديان أيضاً موقف كامالا هاريس خلال حملتها الرئاسية لعام 2024، مشيرة إلى أنها كانت أكثر حديثاً من بايدن عن معاناة الفلسطينيين، وأن بعض المقربين منها رأوا في ذلك فرصة لإحداث اختلاف في السياسة تجاه دولة الاحتلال وغزة.
لكن الصحيفة قالت إن الحملة بقيت إلى حد كبير مرتبطة بخط بايدن، وإن مستشارين مؤثرين قاوموا توصيات بالابتعاد عن موقف الرئيس السابق بشأن غزة.
وأصبح المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو عام 2024، وفق التقرير، اختباراً واضحاً لهذه الأزمة. فقد طالبت حركة "غير ملتزمين" بمنح فلسطيني أميركي فرصة للتحدث من منصة المؤتمر، معتبرة أن حرمان الفلسطينيين من الصوت في أكبر تجمع انتخابي للحزب يتناقض مع حديث الديمقراطيين عن حقوق الإنسان والتعددية.
لكن قيادة الحزب رفضت الطلب، بينما اكتفى المؤتمر بفعالية تناولت الحقوق الفلسطينية. وأدى القرار إلى احتجاجات واعتصامات خارج مقر المؤتمر، وسط مطالب من أعضاء في الحزب بالسماح بصوت فلسطيني أميركي على المنصة. ورأت الغارديان أن هذه الواقعة كشفت الفجوة بين الخطاب الديمقراطي حول التنوع وحقوق الإنسان وبين تعامل الحزب مع قضية غزة.
وأشارت الصحيفة إلى أن آثار هذا القرار أصبحت جزءاً من نقاش سياسي أوسع داخل الحزب. وقالت رومان إن التردد في التواصل مباشرة مع الفلسطينيين منذ بداية الحرب جعل أي محاولات لاحقة للتواصل تبدو جوفاء، مضيفة أن تجاهل الدمار الذي تسببت به السياسة الأميركية في غزة ساهم في إطلاق موجة استنكار ظهرت خلال الانتخابات اللاحقة.
وتربط الغارديان هذه التطورات بالتحول الجاري داخل الحزب الديمقراطي خلال انتخابات 2026، حيث برز مرشحون ينتقدون المؤسسة التقليدية ويطالبون بإعادة النظر في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. وأصبح ملف غزة، وفق التقرير، جزءاً من الصراع على هوية الحزب ومستقبله، وليس مجرد خلاف بين ناشطين مؤيدين للفلسطينيين وقيادة الحزب.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا التحول يأتي في ظل اتساع الفجوة بين السياسة الرسمية ومواقف قطاعات من الناخبين الديمقراطيين. فبينما حافظ الحزب خلال حرب غزة على دعمه للتحالف الأميركي الإسرائيلي، بدأت قطاعات من قاعدته تطالب بسياسة مختلفة تضع حقوق الفلسطينيين والمساءلة عن استخدام المساعدات والأسلحة الأميركية في مقدمة النقاش.
وتخلص الغارديان إلى أن الديمقراطيين أمام فرصة لإعادة صياغة سياستهم تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بعدما أثبتت السنوات الأخيرة أن تجاهل القضية الفلسطينية لم يعد بلا كلفة سياسية. فصور الحرب والدمار في غزة، والمواقف المرتبطة بالمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، أصبحت جزءاً من النقاش الانتخابي الأميركي، بينما تحاول قيادة الحزب التعامل مع جيل من الناخبين أكثر استعداداً لمساءلة العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
وبحسب التقرير، فإن القضية باتت ترتبط حول إذا كان الحزب مستعداً لسماع أصوات الفلسطينيين والناخبين الذين يرون أن السياسة الأميركية تجاه حرب غزة أصبحت قضية حقوقية وأخلاقية وسياسية في آن واحد. وفيما يواصل الديمقراطيون إعادة تقييم خسائرهم السياسية، تبدو غزة حاضرة في قلب هذا الحساب، بعدما انتقلت من ملف في السياسة الخارجية إلى قضية تؤثر في هوية الحزب وخيارات ناخبيه ومستقبل سياسته تجاه دولة الاحتلال وفلسطين.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
