لم يكن ما جرى في أرض إبراهيم الرجوب في حمصة مجرد اقتلاع لأشجار زيتون أو تجريف لقطعة أرض، بل اقتلاع لسنوات من التعب والانتظار، ومحاولة جديدة لانتزاع الفلسطيني من أرضه ومصدر رزقه، بعدما وصلت آليات الاحتلال إلى المكان وبدأت بهدم وتجريف ما شيده الأهالي على أرضهم.
يقول "الرجوب" لـ"وكالة سند للأنباء"، إن عائلته تفاجأت صباح اليوم بوصول جرافات وآليات تابعة لجيش الاحتلال إلى أرضهم، رغم وجود إخطارات وملفات أمام المحاكم، ما دفعهم إلى التوجه للموقع ومحاولة منع تنفيذ عملية التجريف.
ويضيف في شهادته أن العائلة التقت ضباط جيش الاحتلال وأبلغتهم بأن لديها اخطارات وأنها تسلك الإجراءات القانونية.
ويستدرك بالقول: "إلا أن أحد الجنود أبلغهم بوضوح أن القوات لا تنظر في ملفات المحاكم، وأنها جاءت لتنفيذ التعليمات وإزالة كل ما هو موجود في المكان".
ويتابع الرجوب: "ما لقينا إلا عنوة بفوت الباقر ويبدأ يخلع في الشجر"، موضحًا أن الجرافات لم تقتلع أشجار الزيتون فحسب، بل طالت غرفة ومصيفًا وبئرًا ومعرشًا لدوالي العنب، وجرفت ما وجدته في الأرض.
وبينما كانت الجرافات تقتلع الأشجار، كان الرجوب وعائلته يشاهدون أمام أعينهم حصيلة سنوات من العمل تتهاوى، وفي مقدمتها أشجار الزيتون التي اعتنى بها كما يعتني بأبنائه.
ويقول الرجوب إن الخسارة المادية، رغم قسوتها، ليست وحدها ما يؤلمه، مضيفًا أن "الخسارة المعنوية أعظم، المال معوض".
ويعتبر ضيفنا أن الهدف من هذه الممارسات لا يقتصر على تدمير الممتلكات، وإنما يمتد إلى كسر صمود أصحاب الأرض ودفعهم إلى مغادرتها.
تدمير حياة كاملة..
وتصف سارة الرجوب، عمة إبراهيم، المشهد بأنه تدمير لحياة كاملة، قائلة إن العائلة لم تتعامل مع الأرض يومًا باعتبارها مجرد ملكية، بل باعتبارها جزءًا من حياتها ووجودها.
وتتساءل: "إحنا مش بني آدم وبنحس"؟، مستحضرة سنوات من حياة إبراهيم الذي ظل يجمع المال حتى يتمكن من شراء قطعة الأرض والتمسك بها، قبل أن تصل آليات الاحتلال وتجرف ما فيها من أرض وأشجار ومنشآت.
وتضيف أن ما جرى طال "الأرض والدار والزيتون"، مؤكدة تمسك العائلة بالبقاء في المكان، رغم عمليات الهدم والتجريف.
وتقول سارة: "لو يهدّوا شو ما هد، عمرنا ما بنطلع.. المال معوض، طول عمرنا هان ما بنطلع".
وتأتي عملية التجريف في حمصة ضمن واقع متواصل من التضييق على التجمعات الفلسطينية في المناطق التي تواجه مخاطر الهدم والإخلاء، حيث تتحول الأرض بالنسبة للعائلات إلى خط دفاع أول عن وجودها، فيما تشكل أشجار الزيتون والمنشآت الزراعية مصدر رزق وامتدادًا لعلاقة متوارثة مع المكان.
وفي حمصة، لم تكن الجرافة تقتلع شجرة فحسب؛ كانت تقتلع معها سنوات من العناية والانتظار، فيما يؤكد الأهالي أن ما يُهدم ويُجرف يمكن أن يُعاد بناؤه، لكنهم لا يرون في ذلك سببًا للتخلي عن الأرض التي ارتبطت بحياتهم وذاكرتهم.
