بعد سنوات من الغياب تحت أطنان الإسمنت والحديد، خرج شهداء "برج المهندسين" في مخيم النصيرات من تحت الركام، اليوم الثلاثاء، لا ليعودوا إلى منازلهم، بل إلى قبور معلومة، في وداع أنهى انتظار عائلاتهم لجثامين أحبائها المفقودين منذ بداية الحرب.
ومن أمام مستشفى العودة في المخيم، انطلقت مراسم التشييع، فيما حمل الأهالي الأكفان والرفات المستخرجة من أنقاض البرج، وأضاءوا الشموع وفاءً لذكراهم، في مشهد امتزجت فيه الدموع بشيء من الارتياح، بعدما أصبح للمفقودين أخيراً مكان يمكن لذويهم زيارته وقراءة الفاتحة على أرواحهم.
واستمرت عمليات البحث والانتشال في موقع البرج 24 يومًا، منذ الخامس من أيلول/ سبتمبر الجاري، وأسفرت المرحلة الأخيرة عن انتشال رفات وجثامين 43 شهيدًا، فيما تمكنت طواقم الدفاع المدني، منذ تدمير البرج، من استخراج نحو 160 جثمانًا على مراحل متباعدة.

ويقع "برج المهندسين" في محيط شارع العشرين شمال شرق مخيم النصيرات، وكان يضم 24 شقة سكنية تؤوي أكثر من 350 مواطنًا ونازحًا وقت استهدافه، قبل أن يتحول إلى كتلة من الإسمنت والحديد أخفت تحتها عشرات الشهداء.
24 يومًا من البحث
وقال مدير جهاز الدفاع المدني في المحافظة الوسطى، العميد رامي العايدي، إن طواقم الدفاع المدني واصلت عمليات البحث والانتشال لمدة 24 يومًا، حتى تمكنت من استخراج 43 جثمانًا، بمساعدة آلية وفرها الصليب الأحمر الدولي لأعمال الحفر والانتشال.
وأضاف العايدي أن الطواقم تواصل العمل رغم محدودية الإمكانات ونقص الوقود والمعدات الثقيلة، مطالباً بزيادة ساعات العمل وتوفير آليات متخصصة لاستكمال البحث عن بقية المفقودين.

وفي الجنازة، كانت عائلات الشهداء تستعيد أسماءً ظلت لسنوات عالقة في خانة المفقودين، بعدما حال الركام دون الوصول إلى جثامينهم أو معرفة مصيرهم بشكل نهائي.
وقال مطلق أبو نبهان، أحد ذوي الشهداء من عائلة أبو معيلق، إن القصف أفقده والدته وشقيقيه وزوجتيهما وأبناءهم، مضيفاً: "انتظرنا طويلاً وبمرارة ثقيلة هذه اللحظة، فقط لكي نتمكن من دفنهم وإكرامهم بوجود قبور معلومة تلم شملهم ونستطيع زيارتها وقراءة الفاتحة على أرواحهم".
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تسجيل نحو 8700 شخص رسميًا كمفقودين، لم يُعثر على 75% منهم، فيما تتحدث وزارة الصحة في قطاع غزة عن نحو 10 آلاف مفقود، لا يدخلون ضمن تعداد الشهداء الرسمي.

وتفاقمت الأزمة مع خروج معظم المنشآت الصحية عن الخدمة، سواء نتيجة تدميرها أو إخلائها، ما جعل عمليات إنقاذ الضحايا والتعرف إليهم وإحصائهم أكثر تعقيداً، وقد تمتد لسنوات.
وتقول الأمم المتحدة إن إزالة نحو 40 مليون طن من الركام في قطاع غزة قد تستغرق 15 عامًا، فيما تتحدث منظمة "أنقذوا الأطفال" عن أن الأطفال يشكلون أكثر من نصف المفقودين الذين يُعتقد أنهم تحت الأنقاض.
مفقودون بلا قبور
ولا تنتهي معاناة العائلات عند العثور على الجثامين، إذ تواجه آلاف الأسر أزمة قانونية واجتماعية بسبب غياب الجثمان وشهادة الوفاة، بما يعرقل معاملات حصر الإرث والتصرف في الممتلكات واستصدار الوثائق الرسمية للأبناء.
وتعيش زوجات كثيرات واقعًا معلقًا بين الترمل والانتظار، في ظل عدم معرفة مصير أزواجهن، وما يترتب على ذلك من تعقيدات اجتماعية ومالية وقانونية.

وتواجه الطواقم الطبية والمعملية بدورها أزمة معقدة في تحديد هويات الرفات، نتيجة تفتت الأجساد واختلاط العظام وتحللها بفعل القصف والسنوات التي أمضاها الضحايا تحت الركام.
وتعاني غزة نقصًا حادًا في معدات الطب الشرعي وأجهزة فحص الحمض النووي، وسط قيود على إدخال هذه المعدات إلى القطاع.
وفي النصيرات، انتهى انتظار 43 عائلة أو جزء منها اليوم إلى قبور معلومة، بعدما ظل أحباؤها سنوات تحت الركام. لكن خلف هذه الجنازة، تبقى آلاف العائلات في غزة معلقة على أمل الوصول إلى جثامين مفقوديها، وإنهاء انتظار لا يعرف كثيرون متى ينتهي.
