الساعة 00:00 م
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.04 جنيه إسترليني
4.3 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.05 دولار أمريكي

حلمها خطوة.. الطفلة ليان تنتظر العلاج لتعود إلى مقاعد الدراسة

حجم الخط
ليان عسلية
غزة - وكالة سند للأنباء

لم تعد ليان عسلية تطلب من الحياة أكثر من خطوة؛ خطوة واحدة فقط تعيدها إلى قدميها، وتحملها إلى مقعدها في المدرسة، وإلى ساحة تلعب فيها مع زميلاتها كما كانت تفعل قبل أن تختطف الحرب قدرتها على المشي.

في صباحٍ بدأ عاديًا داخل مدرسة تؤوي النازحين في جباليا، خرجت ليان برفقة جدتها لنشر الغسيل، قبل أن تقطع ثلاثة صواريخ تفاصيل ذلك الصباح؛ أُصيبت الجدة بجراح بالغة، بينما استقرت شظية في العمود الفقري لطفلتها، فأفقدتها القدرة على الحركة، وتركتها منذ ذلك اليوم أسيرة كرسي متحرك وحفاضات وحاجة دائمة إلى الرعاية.

منذ إصابتها، باتت المدرسة التي كانت مساحة للعلم واللعب حلمًا بعيدًا، وصارت أبسط تفاصيل الطفولة التي كانت تعيشها قبل الحرب—المشي، اللعب، الجلوس مع الصديقات—أمنيات تنتظر علاجًا وتأهيلًا وإمكانات قد تعيد إليها بعضًا مما سلبته الإصابة.

تروي جدتها، زكية عسلية، أن العائلة بدأت يومها كالمعتاد قرابة الساعة الثامنة صباحًا، وكانت تنشر الغسيل برفقة حفيدتها، قبل أن تفاجأ بسقوط ثلاثة صواريخ.

وتقول "عسلية" لـ"وكالة سند للأنباء": "تصاوبت أنا بشظايا في جميع جسمي، في الأمعاء والمعدة والبنكرياس والطحال، ودخلت عمليات لمدة أسبوع في المستشفى، وبعد ما خرجت تفاجأت إن ليان أخذت شظية في العمود الفقري وأصيبت بشلل نصفي".

لم تكن إصابة الجدة وحدها ما ترك أثره في العائلة، إذ وجدت نفسها أمام طفلة عاجزة عن الحركة، لا تستطيع الذهاب إلى دورة المياه بمفردها، وتحتاج إلى الحفاضات بصورة دائمة، بعدما فقدت القدرة على تحريك ساقيها.

فقدان الأمل..

وتقول الجدة إن حالة ليان كانت صعبة جدًا، ما دفع الأسرة إلى استكمال إجراءات سفرها إلى مصر، على أمل أن تحصل هناك على العلاج الذي يعيد إليها قدرتها على المشي.

لكن العودة لم تحمل النتيجة التي انتظرتها الطفلة وعائلتها؛ عادت ليان إلى غزة من دون تحسن يذكر، وبقيت على كرسيها المتحرك، لتعيش الأسرة صدمة جديدة، بعدما علّقت آمالها على أن تعود حفيدتها إلى الوقوف والمشي.

وتضيف "عسلية": "كان أصعب موقف علينا إصابة ليان. كنت أقول يا ريت أنا اللي تصاوبت وانشليت، مش هي، طفلة وبتعاني وبتبكي وحالتها النفسية تعبانة".

لم يتوقف وجع "ليان" عند فقدان الحركة، بل امتد إلى تفاصيل طفولتها التي تبدلت بفعل الإصابة؛ فهي تريد أن تخرج، وتلعب، وتجلس مع زميلاتها في المدرسة مثل بقية الأطفال، لكن جسدها لم يعد يسمح لها بذلك.

حاولت "ليان" العودة إلى المدرسة، وتمكنت من الذهاب لنحو أسبوع، إلا أن التجربة كانت قاسية عليها، فعادت باكية إلى والدتها بعدما شعرت بالعزلة عن زميلاتها.

وتقول جدتها: "راحت عالمدرسة أسبوع، ورجعت تعيط لأمها إن الطالبات ما بيلعبوا معها وما بياكلوا معها".

وتوضح أن ما تحتاجه ليان لا يقتصر على العلاج الطبي، بل يشمل توفير كرسي متحرك ملائم يساعدها على الوصول إلى المدرسة والتنقل بأمان، إلى جانب الحفاضات ومستلزمات الرعاية والتأهيل التي تحتاجها يوميًا.

وتأتي معاناة ليان في وقت تواجه فيه خدمات التأهيل في قطاع غزة ضغطًا كبيرًا ونقصًا حادًا في الأجهزة والمستلزمات المساعدة.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يعيش عدد كبير من المصابين في غزة مع إصابات خطيرة، بينها إصابات الحبل الشوكي، فيما لا تزال خدمات التأهيل والأجهزة المساعدة محدودة، ولا تتوفر خدمات تأهيل متخصصة للأطفال بصورة كافية.

وفي يونيو/حزيران الماضي، أفادت الأمم المتحدة أن احتياجات أدوات المساعدة على الحركة في غزة تفوق القدرة المتاحة، مشيرة إلى الحاجة إلى آلاف الكراسي المتحركة ومستلزمات الحركة، في ظل صعوبات إدخال المعدات إلى القطاع.

"لقيت حالي ما بمشي"

تتذكر ليان لحظة الإصابة بكلمات قليلة تختصر حجم التحول الذي طرأ على حياتها.

تقول: "تصاوبت أنا و سِتي، ولقيت حالي بالمستشفى. كنت بنشر مع ستي الغسيل، تصاوبت، وبعدها ما مشيت.. لقيت حالي ما بمشي".

منذ ذلك اليوم، لم تعد أمنية ليان كبيرة؛ لا تطلب سوى أن تستعيد قدرتها على الوقوف والمشي، وأن تعود إلى مقاعد الدراسة من دون أن تشعر بأنها مختلفة عن زميلاتها.

أما جدتها، فتحمل أمنية حفيدتها معها كل يوم: "بنتمنى ليان ترجع تمشي مثل أول، وتتوفر إلها الاحتياجات اللازمة من علاج وبمبرز، ويتوفر إلها كرسي متحرك ملائم تقدر تروح فيه عالمدرسة".

وبين كرسيها المتحرك وذكريات خطواتها الأولى، تنتظر ليان فرصة جديدة للعلاج والتأهيل، لعلها تستعيد ما فقدته في ذلك الصباح، وتعود إلى المدرسة لا بوصفها طفلة تحتاج إلى من يدفع كرسيها، بل طفلة تمشي نحو مقعدها، وتستعيد حقها في اللعب والتعلم والحياة.