لم يجد المزارع عزمي ارحيم، بعد عودته إلى أرضه في قطاع غزة، سوى الركام وآثار التجريف مكان دفيئاته الزراعية التي كانت تمتد على نحو 6 إلى 7 دونمات، لكن المشهد القاسي لم يمنعه من محاولة استعادة ما يمكن إنقاذه، فاختار أن يبدأ من جديد بما تبقى لديه، ولو في مساحة صغيرة.
يقول ارحيم لـ"وكالة سند للأنباء"، إنه، بعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، عاد إلى أرضه ليجدها "مدمرة دمارًا شاملًا"، ولم يجد شيئًا من الدفيئات التي كانت مصدر رزقه، مضيفًا: "قلت أستصلح في حمام واحد أقدم فيه خدمات، لأني مش قادر أبدأ حالي من أول وجديد".
وبإمكانات محدودة، بدأ المزارع زراعة الخيار، محاولًا إعادة عجلة الإنتاج إلى أرضه، إلا أن الطريق لم يكن أقل صعوبة من استصلاحها؛ إذ يصطدم يوميًا بنقص حاد في مستلزمات الزراعة، وفي مقدمتها المبيدات الحشرية والأسمدة والوقود.
مبيدات منتهية وأسعار مضاعفة
يواجه "ارحيم" أزمة كبيرة في مكافحة الآفات الزراعية، في ظل شح المبيدات وغياب الأصناف الصالحة منها، قائلًا إن ما يتوفر في السوق غالبًا ما تكون صلاحيته منتهية.
ويوضح أن عبوة المبيد التي كان سعرها في السابق نحو 50 شيكلًا، أصبح سعرها اليوم يصل إلى نحو 4 آلاف شيكل، رغم عدم صلاحية بعضها للاستخدام، ما يضع المزارع أمام خيارين كلاهما مرّ: إما المخاطرة بالمحصول، أو تحمل تكاليف تفوق قدرته.
ويقول: "إحنا بنتوهم وبنرش وبنقضي على حوالي 10% من المرض الموجود"، في إشارة إلى محدودية فاعلية المواد المتاحة في مواجهة الآفات التي تهدد محصوله.
ولا تتوقف المعاناة عند المبيدات، إذ يواجه المزارع أزمة أخرى في توفير الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه، موضحًا أن سعر لتر الكاز وصل إلى نحو 35 شيكلًا، ما يجعل تشغيل الأرض واستمرار الإنتاج عبئًا يفوق إمكاناته.
سماد من مخلفات المواشي..
ومع شح الأسمدة وارتفاع أسعارها، اضطر ارحيم إلى البحث عن بدائل من البيئة المحيطة به، فيستعين بمخلفات المواشي ويعمل على تحويلها إلى سماد عضوي، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات الأرض.
ويقول إن المزارعين "مضطرين ناخد مخلفات المواشي ونعملها زي سماد عضوي"، مؤكدًا أن ما يفعلونه هو محاولة لإنتاج "شيء بسيط من ولا شيء".
وتختصر هذه التجربة حال شريحة واسعة من مزارعي غزة الذين يحاولون استعادة نشاطهم الزراعي في ظل دمار مساحات واسعة من الأراضي والمنشآت الزراعية، ونقص مستلزمات الإنتاج، وارتفاع تكاليف ما يتوفر منها.
الزراعة.. قطاع تحت الأنقاض
وتأتي محاولة ارحيم في وقت تشير فيه أحدث بيانات نشرتها وكالة سند للأنباء إلى أن 87.6% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تضررت بشكل كامل، فيما لا تتجاوز المساحات القابلة للوصول الآمن والزراعة 4% من إجمالي الأراضي الزراعية، وفق مدير السياسات والتخطيط بوزارة الزراعة في غزة بهاء الأغا.
وأوضحت بيانات وزارة الزراعة والهيئات الأممية، أن نحو 158,909 دونمات من أصل 182,247 دونمًا من الأراضي الزراعية تضررت، بنسبة 87.1%.
بينما تعرضت منظومة الري لانهيار واسع مع خروج نحو 8,700 بئر زراعي عن الخدمة وتضرر 3,828 بركة مياه وتدمير 1,371 كيلومترًا من خطوط نقل المياه الزراعية.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 3% فقط من الأراضي الزراعية المكشوفة يمكن الوصول إليها بأمان، في حين لا تتجاوز الدفيئات الزراعية القابلة للوصول نحو 16% من إجمالي الدفيئات، وسط نقص حاد في الأسمدة والبذور والأشتال والمبيدات.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو عودة ارحيم إلى زراعة الخيار مجرد محاولة لإنتاج محصول جديد، بقدر ما هي محاولة لاستعادة علاقة المزارع بأرضه ومصدر رزقه، وتحويل ما تبقى من أرض جُرفت ودفيئات دُمرت إلى مساحة تنبت فيها الحياة من جديد.
فبينما فقد معظم ما بناه خلال سنوات، يتمسك بما تبقى لديه، ويزرع أرضه بما تيسر من ماء وسماد ووقود، على أمل أن تتحول الشتلات الصغيرة إلى محصول يعيد إليه بعضًا مما فقده الحرب.
