الساعة 00:00 م
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.04 جنيه إسترليني
4.3 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.05 دولار أمريكي

من تلال الضفة إلى الجليل.. بؤر ومزارع لتوسيع الاستيطان

حجم الخط
الجليل.jpg
الجليل-وكالة سند للأنباء

لم يُنهِ تفكيك الخيام التي أقامها مستوطنون قرب مجد الكروم، في أيلول/سبتمبر الجاري، مخاوف أهالي البلدة من انتقال نموذج البؤر الاستيطانية من الضفة الغربية إلى الجليل؛ فالموقع الذي بدأ تحت عنوان الرعي تحول إلى نقطة إقامة لشبان قدموا من مستوطنات الضفة، بالتزامن مع طرح سياسي إسرائيلي لتوسيع الوجود اليهودي في الجليل والنقب عبر تجمعات ومزارع جديدة وحوافز للسكن.

وتعيد الواقعة فتح ملف السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز الوجود اليهودي في الجليل، لكن بأدوات تجمع بين التحرك الميداني على الأراضي، ودعم مجموعات سكانية، وتوسيع مشاريع الإسكان والبنية التحتية، ومحاولات التأثير في مؤسسات التخطيط وإدارة الأراضي.

من خيام الرعي إلى بؤرة

بدأت المواجهة في منطقة "الروس" قرب مجد الكروم، بعدما نصب شبان مستوطنون خياماً ومنشآت مؤقتة في موقع مرتفع تحيط به أراضٍ زراعية. وقالت تقارير محلية إن المجموعة قدمت من مستوطنة قرب بيت لحم، وإن الموقع ضم أسرّة ومعدات معيشة، في حين لم تكن فيه مواشٍ في بداية إقامتها.

وبحسب المعطيات المتداولة، كانت الأرض خاضعة لإدارة الصندوق القومي اليهودي "كاكال" ومخصصة للرعي، بينما اتهم أهالي مجد الكروم المجموعة بتجاوز المساحة المستخدمة إلى أراضٍ يملكها سكان البلدة، وسط مخاوف من تقييد وصولهم إلى حقولهم.

وأثار إنشاء الموقع احتجاجات وتحركات محلية للمطالبة بإزالته، خصوصاً مع اقتراب موسم قطاف الزيتون، وحذر الأهالي من أن يتحول الوجود المؤقت إلى إقامة دائمة، بما يفتح الباب أمام تكرار التجربة في مناطق أخرى من الجليل.

وفي 17 أيلول/سبتمبر، أُعلن تفكيك الموقع، لكن الإخلاء لم ينهِ القضية؛ إذ قال رئيس الصندوق القومي اليهودي إيال أوسترينسكي إن الرعي في المنطقة سيستمر وإن المخيم سيُقام مجدداً، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن مخطط لإعادة إقامة الموقع بصيغة جديدة وبعيدة عن المنازل، مع الاستعانة بحراس محليين بدلاً من المستوطنين القادمين من الضفة.

وفي 24 أيلول/سبتمبر، زار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش منطقة "الروس" وسط انتشار للشرطة ومنع مواطنين عرب من الوصول إلى المنطقة، وقال رئيس مجلس مجد الكروم المحلي سليم صليبي إن ما يجري يمثل، وفق تقديره، محاولة لنقل نموذج ما يحدث في الضفة الغربية إلى الجليل والنقب.

وتكمن حساسية الواقعة بالنسبة إلى الأهالي في تشابه بعض أدواتها مع نموذج البؤر الرعوية في الضفة: وصول مجموعات صغيرة إلى مناطق مرتفعة، ونصب منشآت أولية تحت غطاء نشاط زراعي أو رعوي، ثم تحول الوجود إلى أمر واقع محل نزاع على الأرض.

من البؤرة إلى الخطة

وتزامنت واقعة مجد الكروم مع طرح سموتريتش خطة حزبه لتعزيز الوجود اليهودي في الجليل والنقب، تحت شعار "نعم، نُهوّد"، وتتضمن استقطاب نحو مليون يهودي إلى المنطقتين، وإقامة 40 تجمعاً جديداً وعشرات المزارع، إلى جانب توسيع تجمعات قائمة وتوفير مئات آلاف الوحدات السكنية.

وتشمل الخطة، وفق ما أُعلن، إقامة 20 تجمعاً في الجليل و20 في النقب، إلى جانب دعم مزارع وتوسيع البلدات القائمة، فضلاً عن حوافز مرتبطة بالأراضي والإسكان والبنية التحتية والتشغيل.

كما أعلن حزب "الصهيونية الدينية" فتح التسجيل لتشكيل نوى سكانية في الجليل والنقب، في خطوة تهدف إلى إعداد مجموعات من العائلات والنشطاء الراغبين في الانتقال، وليس إعلاناً عن إقامة التجمعات الأربعين فعلياً في الوقت الراهن.

ولا تقتصر الأدوات على المبادرة الحزبية؛ فهناك مشاريع حكومية ومؤسسية قائمة، بينها تطوير بلدة "شيبولت" في الجليل الأسفل. وأقر الصندوق القومي اليهودي في آب/أغسطس خطة استثمارية بقيمة نحو 859 مليون شيكل على ثلاث سنوات لتعزيز شمال إسرائيل، تشمل البنية التحتية والإسكان والتنمية المجتمعية، إلى جانب 11 مليون شيكل لاستكمال إقامة "شيبولت".

كما تتضمن الخطة دعماً لمجموعات سكانية ومشاريع تنمية في بلدات شمالية، ما يعكس تعدد الأدوات المستخدمة في تعزيز الوجود السكاني في المنطقة، بين الإسكان والبنية التحتية ودعم التجمعات القائمة والجديدة.

وتشارك وزارة الاستيطان والمهام الوطنية، برئاسة أوريت ستروك، في دعم ما يعرف بـ"النوى ذات المهام"، وهي مجموعات تستقر داخل بلدات وأحياء وتعمل في مجالات مجتمعية، بما يتيح استقطاب سكان وتنظيم وجودهم داخل تجمعات قائمة بالتوازي مع مشاريع التجمعات الجديدة.

وتعود خلفية هذه السياسات إلى العقود التي أعقبت النكبة، حين عملت المؤسسات الإسرائيلية على تعزيز الوجود اليهودي في الجليل عبر مصادرة الأراضي وإقامة بلدات جديدة وتقديم حوافز للاستقرار، بالتوازي مع قيود فرضت على توسع البلدات العربية.

وفي سبعينيات القرن الماضي، تصاعدت المواجهة مع سياسات مصادرة الأراضي في الجليل، وصولاً إلى يوم الأرض في 30 آذار/مارس 1976، الذي أصبح محطة مفصلية في تاريخ احتجاج الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948.

وتغيرت لاحقاً لغة الخطاب الرسمي الإسرائيلي نحو عناوين مثل التنمية وتطوير الشمال، فيما استمر دعم الاستيطان والتجمعات اليهودية ومشاريع الإسكان والبنية التحتية.

أما في المرحلة الحالية، فقد عاد مصطلح "التهويد" إلى الخطاب السياسي بصورة مباشرة، خصوصاً في خطة سموتريتش التي تربط بين زيادة عدد السكان اليهود وتوسيع التجمعات ومشاريع الإسكان والأراضي.

ومن هنا، تبدو واقعة مجد الكروم أكبر من قضية خيام أُقيمت ثم فُككت؛ فهي تتقاطع مع خطة سياسية معلنة، ومشاريع مؤسسية قائمة، وتحركات ميدانية تسعى إلى تثبيت وجود مجموعات جديدة على الأرض.

نجح تحرك الأهالي في تفكيك البؤرة في مرحلتها الأولى، لكن استمرار الحديث عن إعادة إقامة الموقع، إلى جانب تحركات سموتريتش وخطط توسيع التجمعات، يبقي الصراع على الأرض مفتوحاً في الجليل؛ حيث تتداخل قضية الوصول إلى الحقول وحرية استخدامها مع التوسع العمراني ومستقبل البلدات العربية واليهودية في المنطقة.