الساعة 00:00 م
الأربعاء 30 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.06 جنيه إسترليني
4.33 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.07 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

أرواح أنهكتها الإبادة وقهر الإعالة.. ماذا يعني أن يكون رُبع نساء غزة معيلات لأسرهنّ؟

نائل البرغوثي: "ابن غفير" يحوّل الأسرى لدعايته الانتخابية وتهديد سلامة خطير

الشتاء يطرق أبواب الخيام المتهالكة والركام..

نازحو غزة يترقبون موسم الأمطار بهاجس ومخاوف متجددة

حجم الخط
شتاء غزة.jpg
غزة- فاتن الحميدي- وكالة سند للأنباء

لم يعد اقتراب فصل الشتاء في قطاع غزة، تحديدًا، مجرد تبدّل موسمي يحمل معه انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار، بل بات مصدر قلق متجدد لآلاف العائلات النازحة التي تواجه موسمًا جديدًا من البرد والمطر، في خيام مهترئة ومساكن مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الحماية.

ومع أولى الغيوم التي تلبّد سماء القطاع، تستعيد العائلات النازحة ذكريات شتاء مضى، حين غمرت مياه الأمطار خيامها، واقتلعت الرياح بعضها، فيما اضطر آخرون إلى قضاء ليالٍ في العراء، بعدما تحولت أماكن نزوحهم إلى برك من المياه والطين، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية وشبكات تصريف المياه.

وتتضاعف المخاوف هذا العام في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال مستلزمات الإيواء ومواد الترميم وإعادة الإعمار، إلى جانب شح التمويل، ما يحدّ من قدرة العائلات والمؤسسات الإنسانية على إجراء الاستعدادات اللازمة لمواجهة موسم الأمطار.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أظهر مسح ميداني أجرته فرق حكومية في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري، أن نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفًا تؤوي النازحين أصبحت غير صالحة للاستخدام، بنسبة تتجاوز 60%، بعدما فقدت قدرتها على توفير الحماية من الرياح والأمطار والبرد.

بنية تحتية مدمرة واحتياجات تتجاوز الخيام..

ولا تتوقف أزمة الاستعداد للشتاء عند تهالك الخيام ونقص الشوادر، بل تمتد إلى تدمير شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وتضرر البنية التحتية في مناطق واسعة من القطاع، الأمر الذي يزيد من مخاطر تجمع المياه وغرق مواقع النزوح.

وتتطلب مواجهة هذه الأزمة، إلى جانب توفير الخيام ومواد الإيواء، تدخلات تشمل تأهيل مواقع النزوح، وتوفير معدات تصريف المياه والمضخات والأنابيب ومواد تدعيم الخيام، فضلًا عن وسائل التدفئة والإنارة، وفق الاحتياجات الإنسانية الواردة في المعطيات الأممية.

غير أن القيود المفروضة على إدخال العديد من المستلزمات، إلى جانب نقص التمويل، تعيق توفير هذه الاحتياجات، وتحد من قدرة الجهات المعنية على تنفيذ التدخلات اللازمة قبل بدء موسم الأمطار.

وفي ظل هذه الظروف، تواجه العائلات النازحة تحديًا متزايدًا يتمثل في حماية أفرادها من البرد والرطوبة، وتأمين أماكن إقامة لا تتحول مع هطول الأمطار إلى بؤر جديدة للمعاناة.

خيام أنهكتها الشمس..

في مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تقف أم محمود (47 عامًا) أمام خيمتها التي لم تعد قادرة على توفير الحماية لعائلتها، بعدما أمضت قرابة عامين في مواجهة أشعة الشمس الحارقة والرياح والعوامل الجوية، التي تسببت باهتراء أقمشتها وتآكل أجزاء واسعة منها.

وتقول أم محمود، في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الخيمة والشوادر التي تستخدمها عائلتها باتت في حالة متردية، وإن أي هطول كثيف للأمطار قد يتسبب في تسرب المياه إلى داخلها، في وقت تعجز فيه الأسرة عن شراء بديل بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتها الشرائية.

وتضيف: "نحن نعرف أن الشتاء قادم، لكن لا نعرف كيف سنواجهه؛ الشادر لم يعد كما كان، وأي مطر قوي يمكن أن يدخل إلى الخيمة، ونحن لا نملك المال الكافي لاستبداله".

وتوضح أن عائلتها تحتاج إلى شوادر جديدة ووسائل لتثبيت الخيمة ورفعها عن الأرض، فضلًا عن مستلزمات تمنع تسرب المياه، غير أن الظروف المعيشية الصعبة تحول دون توفير هذه الاحتياجات.

ولا تقتصر معاناة الأسرة على تهالك الخيمة، إذ تشكل طبيعة الأرض المحيطة بها مصدر خطر إضافيًا، في ظل غياب وسائل تصريف المياه، ما يهدد بإغراق مكان النزوح وتعريض الأطفال وممتلكات العائلة القليلة المتبقية للتلف.

وبين خيمة لم تعد تقاوم تقلبات الطقس، وإمكانات مادية محدودة، تجد أم محمود نفسها أمام شتاء جديد لا تعرف كيف ستؤمّن خلاله الحماية لعائلتها.

على شاطئ خانيونس.. خوف من خطرين

وعلى شاطئ بحر خان يونس، تواجه نجوى عبد الله وأسرتها ظروفًا أكثر قسوة، بعدما اضطرت إلى نصب خيمتها على الشاطئ، إثر انعدام الخيارات المتاحة أمامها للحصول على مأوى بديل.

وتقول نجوى، في حديثها لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إن حلول الشتاء تعني بالنسبة إليها مواجهة خطرين متزامنين، يتمثلان في الأمطار الغزيرة وارتفاع أمواج البحر، وما قد يرافقهما من رياح قوية وتغيرات في حركة المد والجزر.

وتستعيد نجوى إحدى الليالي القاسية التي غمرت فيها المياه خيمتها، واضطرت خلالها إلى البقاء مع أطفالها في العراء لمدة يومين، بعدما أصبح المبيت داخل الخيمة مستحيلًا.

وتروي: "لم نجد مكانًا آخر نذهب إليه، فاضطررنا إلى نصب الخيمة على الشاطئ، لكن الشتاء بالنسبة لنا يعني خوفًا مضاعفًا".

وتضيف: "أطفالي يخافون من الشتاء، وأنا أخاف أكثر منهم، عندما تبدأ الأمطار لا أفكر في شيء سوى أين سنضع الأطفال وكيف سنحميهم من المياه والبرد؟!".

وتشير إلى أن أسرتها لا تملك مأوى بديلًا أو الإمكانات المالية اللازمة للانتقال إلى منطقة أكثر أمانًا، في وقت أصبحت فيه مستلزمات الإيواء باهظة الثمن، مقارنة بقدرة العائلات النازحة على توفير أبسط احتياجاتها.

وتبقى نجوى وأسرتها أمام شتاء محفوف بالمخاطر، في ظل غياب الحماية من مياه البحر والأمطار، وانعدام البدائل التي تتيح لهم العيش في ظروف أكثر أمانًا.

نازحون يخشون الغرق داخل خيامهم..

وفي أحد مخيمات النزوح جنوبي القطاع، يستقبل سميح أحمد فصل الشتاء بقلق متزايد، في ظل عجزه عن إصلاح خيمته المتهالكة أو توفير مأوى بديل لعائلته.

ويقول أحمد، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الخيمة التي تؤوي أسرته لم تعد قادرة على مقاومة الأمطار، بعدما ظهرت فيها فتحات عديدة، فيما تفتقر الأرض الترابية المحيطة بها إلى أي وسائل لتصريف المياه.

ويضيف: "إذا نزل المطر لساعات، لا نعرف أين سنذهب".

ويوضح أن أسرته حاولت خلال الفترة الماضية ترميم الخيمة باستخدام قطع من القماش ومواد بسيطة، لكن تلك المحاولات لم تعد كافية لمواجهة موسم شتاء جديد، خصوصًا مع استمرار تدهور أوضاع الخيمة.

ويتابع: "نحتاج شادرًا جديدًا، وأخشابًا لتثبيته، ومواد تمنع دخول المياه، ونحتاج مكانًا فيه تصريف للمياه. كل هذه الأشياء أصبحت مكلفة، ونحن بالكاد نستطيع توفير الطعام".

ولا تختلف معاناة أحمد عن واقع عشرات العائلات المجاورة التي تواجه الظروف ذاتها، في ظل نقص مستلزمات الإيواء وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل توفير الحماية من الأمطار والبرد عبئًا إضافيًا يفوق قدراتها.

وتبرز مخاوف خاصة على الأطفال وكبار السن، باعتبارهم الأكثر عرضة لتداعيات البرد والرطوبة والأمراض، في ظل غياب المساكن الملائمة وتردي الظروف الصحية في مخيمات النزوح.

من الخيام إلى الركام..

ولا تقتصر أزمة المأوى في قطاع غزة على العائلات التي تعيش داخل الخيام، إذ دفعت قسوة النزوح وانعدام البدائل بعض الأسر إلى العودة لمنازلها المدمرة جزئيًا، أو الاستقرار داخل مبانٍ متضررة، بحثًا عن سقف يوفر حماية نسبية من الظروف الجوية.

ومن بين هذه الحالات، يعيش عرفات أبو الريش مع 9 أفراد من عائلته داخل غرفة أعادت الأسرة تأهيلها من بقايا منزلها المدمر، بعدما كان المبنى يتكون من 6 طوابق قبل أن تدمره الحرب.

ويقول أبو الريش، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إن العائلة اضطرت إلى استصلاح غرفة من المنزل المدمر عقب رحلة النزوح، لتجد مكانًا يؤوي أفرادها، رغم المخاطر المحيطة به.

ويوضح أن الركام يحيط بالغرفة من الجهات الأربع، فيما تتساقط أجزاء منه مع كل استهداف أو اهتزاز، ما يثير مخاوف متواصلة على سلامة أفراد الأسرة.

ويُبين: "البيت كان من 6 طوابق، تم تدميره، وإحنا جينا بعد النزوح واستصلحنا غرفة"، مضيفًا أن العائلة المكونة من 10 أفراد تعيش في ظل خطر مستمر جراء الركام والمباني المتضررة المحيطة بها.

وتفاقمت مخاوف الأسرة عقب انهيار عمارة "السعادة" في مدينة غزة، وما خلفته الحادثة من ضحايا، إذ بات احتمال تكرار مشهد الانهيار هاجسًا يوميًا يرافق أفرادها.

ويستطرد أبو الريش: "إحنا هان عايشين 10 أفراد، وصرنا خايفين من بعد اللي صار في عمارة السعادة يتكرر عندنا"، مشيرًا إلى أن الخطر لا يقتصر على أسرته، بل يشمل جيرانها أيضًا.

ومع اقتراب الشتاء، تتضاعف المخاوف من تسرب مياه الأمطار والرطوبة إلى الغرفة، فضلًا عن احتمال انهيار أجزاء إضافية من المبنى بفعل الأمطار والظروف الجوية، في ظل عدم توفر مأوى بديل أو القدرة على إعادة بناء المنزل.

ويناشد "أبو الريش" الجهات المختصة والمؤسسات والجمعيات الإنسانية التدخل لإزالة الركام المحيط بمكان إقامة العائلة، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي يهدد حياة أفراد أسرته وجيرانه.

2000 منزل آيل للسقوط..

وتتسع دائرة المخاطر لتشمل آلاف العائلات التي اضطرت إلى السكن داخل مبانٍ متضررة، في ظل أزمة سكن خانقة، وغياب البدائل الآمنة، وتعثر جهود إعادة الإعمار.

وحذّر مدير الدفاع المدني في خانيونس، يامن أبو سليمان، من تفاقم أزمة المباني الآيلة للسقوط مع اقتراب فصل الشتاء، مشيرًا إلى أن عددًا من العائلات اضطر إلى الإقامة داخل هذه المباني هربًا من الخيام المتهالكة وظروفها القاسية.

وكشف "أبو سليمان" أن نحو 2000 منزل في قطاع غزة مصنّف كـ "آيل للسقوط"؛ بينها نحو 150 في خانيونس، وفق المباني التي جرى فحصها حتى وقت نشر التقرير، متوقعًا ارتفاع العدد مع استمرار عمليات التقييم.

وتكمن خطورة هذه المباني في احتمال انهيار أجزاء منها، لا سيما مع هطول الأمطار وازدياد الرطوبة وتأثير العوامل الجوية على الهياكل المتضررة، في وقت تفتقر فيه فرق الدفاع المدني للمعدات والآليات اللازمة للتعامل مع هذا النوع من المخاطر.

وتزداد الحاجة إلى توفير أماكن إيواء بديلة للعائلات المقيمة في هذه المباني، قبل حلول موسم الأمطار، لتجنب وقوع حوادث قد تهدد حياة السكان، في ظل استمرار أزمة السكن وعدم توفر الإمكانات اللازمة لإعادة تأهيل المنازل المتضررة.

وفي تحذير حديث، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية أن مئات الآلاف من النازحين يستقبلون موسم الأمطار والبرد بعد سنوات من العيش في خيام ومآوٍ مؤقتة ومبانٍ متضررة لم تعد توفر الحد الأدنى من الحماية.

وشددت على أن الخيام التي أُنشئت أساسًا لتكون حلولًا طارئة لأيام أو أسابيع، لا يمكن أن تتحول إلى مساكن دائمة لسنوات، في ظل الظروف المناخية القاسية وغياب مقومات العيش الآمن.

شتاء بلا مأوى..

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتكشف ملامح أزمة إنسانية تتجاوز نقص الخيام والشوادر، لتطال الحق في السكن الآمن والحماية من الظروف الجوية، في ظل استمرار الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية في قطاع غزة.

وبين عائلات تواجه خطر غرق خيامها، وأخرى تعيش على شاطئ البحر تحت تهديد الأمواج، وأسر اتخذت من المباني المتضررة ملاذًا لها، يبدو الشتاء المقبل اختبارًا جديدًا لقدرة النازحين على الصمود في ظل انعدام الخيارات.

وبينما تترقب آلاف الأسر هطول الأمطار، لا ينحصر سؤالها في كيفية مواجهة البرد، بل في المكان الذي ستلجأ إليه إذا غمرت المياه خيامها، أو عجزت المباني المتضررة عن الصمود أمام شتاء جديد.