استقبل المزارعون الفلسطينيون موسم الزيتون لهذا العام بأمل مشوب بالحذر، متطلعين إلى غلة وفيرة تعوضهم عن موسمين عجاف أجدبت فيهما الأشجار.
بيد أن فرحتهم أجهضت باكرًا؛ فما إن اقترب موعد القطاف حتى سارع المستوطنون إلى اقتحام الحقول وسلب ثمارها في عمليات سطو ممنهجة جرت جهارًا نهارًا وتحت أنظار أصحابها، لتتجاوز الانتهاكات حدود سرقة المحصول إلى الاعتداء الجسدي المباشر على المزارعين.
وكان وزارة الزراعة الفلسطينية قد حددت، في سبتمبر/ أيلول الماضي، يوم الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري موعدًا رسميًا لبدء قطف الزيتون في الضفة الغربية، إلا أن ممارسات الاحتلال ومستوطنيه دفعت المزارعين إلى التمترس خلف خيار القطف المبكر خشية ضياع أرزاقهم بأسرها.
سرقة في وضح النهار
في بلدة رافات غرب سلفيت، تجرّع المستوطنون المزارع إسماعيل أبو عصبة مرارة الاعتداء حين سلبوه ثمار الزيتون التي أمضى نهاره بأسره في جمعها بعرق جبينه وكدّ يمينه.
واستعرض أبو عصبة لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل الساعات الحرجة، قائلًا: "هاجمني مستوطنان مسلحان، واعتديا عليّ بالضرب ورشّا وجهي بغاز الفلفل".
واستحضر أبو عصبة كيف أشهر أحد المستوطنين سلاحه في وجهه، في حين انكبّ الآخر على حشو أكياس الزيتون داخل مركبتهما، مرجحًا أن الرجلين كانا يرقبانه عن كثب، وما إن انسحب جيرانه من البقعة حتى استغلا السانحة وانفردوا به لاختطاف تعبه.
وعلى الرغم ممّا ألمّ به، يؤكد أبو عصبة تمسكه الراسخ بأرضه موضحًا: "هذه أرضنا ولا نستغني عنها، ولو تكرر الاعتداء عليّ فلن أترك أرضي.. الإنسان بلا أرضه بسواش وحياته عدم".
وتتزامن هذه السرقات مع واقع معاشي ضنك، إذ يبيّن أبو عصبة: "ننتظر موسم الزيتون كل سنتين مرة. وضع الناس صعب وليس لديهم دخل".
ويهيب بضرورة التضامن والعمل التشاركي بين أهالي القرى لردع المستوطنين الذين ينعتهم بـ "الجبناء الذين يستفردون بالمزارعين المنفردين"، لافتًا إلى أن المعتديين "كانا مرتبكين، حتى إن أحدهم سقط على وجهه مرتين".

حلال عليهم.. حرام علينا
ومن تخوم سلفيت إلى رحاب بلدة عرابة جنوب جنين، تتكرر الفاجعة مع المزارع أحمد عبد الباسط، الذي سعى للوصول إلى حقله القابع على بعد 700 متر فحسب من منزله ثلاث مرات متوالية خلال الأسابيع المنصرمة، غير أنه اصطدم في كل مرة بنفر من المستوطنين المسلّحين أو جنود الاحتلال الذين حالوا دون دنوّه متذرعين بالقرب من بؤرة استيطانية استُحدثت مؤخرًا.
وفي محاولته الثالثة الأسبوع الفائت، فوجئ عبد الباسط بأفواج من المستوطنين وقد اصطحبوا عائلاتهم وأطفالهم لقطف الزيتون من ملكوته الخاص.
وحيال لوعة هذه المشاهد، يقول عبد الباسط لـ "وكالة سند للأنباء": "أكثر ما يؤلمني أننا عندما كنا نذهب لقطف الزيتون في السنوات الأخيرة، كنا ننهي عملنا على عجل كمن يسرق الزيتون من أرضه بسبب مضايقات الاحتلال والمستوطنين".
ويروّي بمرارة بالغة: "اليوم يأتي هؤلاء المستوطنون اللصوص في وضح النهار؛ ليسرقوا زيتوننا ويمارسوا كل طقوس القطاف التي توارثناها أباً عن جد".

سياسة ممنهجة وتناغم مع جيش الاحتلال
ويؤكد الخبير في الشأن الاستيطاني، نظمي سلمان، أن موسم الزيتون الحالي يمثل محطة مغايرة تماماً عن سابقاتها بكل تفاصيلها، وخاصة تلك المتصلة بحق المواطن في بلوغ أرضه، منوّهًا إلى أن العنوان الأبرز للموسم الراهن هو السطو السافر على الثمار.
ويبيّن سلمان لـ "وكالة سند للأنباء" أن ما يقع هو "عملية نهب في وضح النهار وأمام أعين أصحاب الأرض، وبحماية من الجيش أو من مستوطنين مسلحين".
ويضيف أن جرائم سرقة الزيتون غدت ظاهرة منتظمة وفق خطة مدروسة تسري على مختلف محافظات الضفة الغربية شمالًا وجنوبًا.
ولتثبيت السيطرة، يحظر جيش الاحتلال على المزارعين الاقتراب لدائرة أقلها 150 متراً من البؤر الاستيطانية، مما يمنح الضوء الأخضر للمستوطنين لنهب الغلال.
ويربط سلمان بين هذه المسارات ونهج الاستيطان الرعوي المهيمن على ما يزيد عن مليون و100 ألف دونم بالضفة الغربية، إذ بات المستوطن ينافس الفلاح الفلسطيني على محصوله بمباركة عسكرية تامة.
ويتابع مستدركًا: "المستوطن أصبح سيد الموقف على الأرض، وجيش الاحتلال لا يمنعه من الاعتداء على المزارع أو سرقة المحاصيل والمعدات، ما يشير إلى تناغم وانسجام كامل بين عصابات المستوطنين وحكومة الاحتلال".
تداعيات اقتصادية
وتلقي أعمال السلب هذه بظلالها الحالكة على الأسر الفلسطينية التي ترتقب هذا الموسم بفارغ الصبر وتُعوّل عليه لتأمين متطلباتها الجوهرية؛ كتشييد المنازل، أو تمويل تعليم الأبناء، أو استحقاقات الزواج.
ويتزامن موسم العام الجاري مع أزمة مالية ضاربة يعاني منها الفلسطينيون جراء تعثر صرف رواتب الموظفين، وانقطاع سبل العمل أمام العمال.
وفي مسعى مفضوح لشرعنة الباطل وتزوير الحقائق، عمد المستوطنون إلى تدشين منصات عبر شبكات التواصل الاجتماعي تسوق لبيع "الزيت المسروق"، بعد عصره في معصرة خاصة شيدوها على أراضي بلدة دير بلوط غرب سلفيت، مروّجين له باعتباره منتجًا صادرًا عن "أراضي يهودا والسامرة" في إشارة للضفة الغربية.

تزييف الرواية
ويتبادل المستوطنون صورًا ومقاطع مرئية يوثقون عبرها جرائم سطوهم على أشجار الزيتون، متقمصين الطقوس الفلسطينية الأصيلة وما يرافقها من إعداد "قلاية البندورة" وغلي القهوة وتخمير الشاي على الحطب.
ويعتبر الخبير سلمان تلك اللقطات سرقة موصوفة للرواية والسردية الفلسطينية، في محاولة لزعم جذور تاريخية لهم على هذه البقعة.
ويشير إلى أن المشاهد تكفل إبراز لجوء المستوطن إلى العصى لضرب الأشجار، في مشهد يعتصر له قلب مالكها الذي يرعاها ويتعهدها كأعزّ أبنائه.
ويؤكد أن "الاحتلال والمستوطنين يحاولون الادعاء بأنهم أهل هذه البلاد، وأن هذه الطقوس والعادات تعود لهم، بينما هي في حقيقتها عادات متجذرة في المجتمع الفلسطيني، وهي عنوان وهوية وموروث ثقافي للشعب الفلسطيني".
