تتحول تفاصيل النهار والليل في حي المسعودية السكني التابع لبلدة برقة شمال غرب نابلس إلى كابوس متواصل يلاحق اثنتي عشرة عائلة فلسطينية؛ إذ تقبع هذه الأسر في خضم حالة استنفار وقلق بالغة على مدار الساعة، إثر تصاعد الهجمات الممنهجة التي يشنها المستوطنون بهدف كسر إرادتهم ودفعهم نحو الرحيل القسري.
وقبل نحو عام، زرع المستوطنون بؤرة استيطانية جديدة في الجهة الغربية لمنطقة المسعودية، وتحديدًا فوق أراضٍ مصنفة ضمن (ب) و(أ)، لا تبعد سوى خطوات معدودة عن مساكن المواطنين التي تضم نحو سبعين فردًا، يتوزعون بين نساء وأطفال ورجال.
وتُمثّل هذه البؤرة امتدادًا جغرافيًا لبؤرة أوسع وأكبر تجثم منذ نحو ثلاثة أعوام فوق سهل بلدتي رامين ودير شرف، حيث يحشد المستوطنون هناك ما بين سبعين إلى مئة مستوطن، يتنقلون باستمرار بين السهل والمسعودية وبيت إمرين وصولًا إلى عصيرة الشمالية، مستهدفين المزارعين باعتداءات متكررة تحرمهم من بلوغ أراضيهم.
وتتسلح هذه العصابات الاستيطانية بإمكانات لوجستية ضخمة تسخرها لمطاردة المواطنين وتضييق الخناق عليهم، مما جعل حياتهم اليومية بمعزل عن أي استقرار اقتصادي أو أمني بالغة القسوة والتعقيد.
إرهاب وتنغيص حياة
يستحضر الناشط في مقاومة الاستيطان ذياب حجة، وهو أحد قاطني حي المسعودية، لـ "وكالة سند للأنباء" فصولًا قاتمة من المعاناة المستمرة التي يكابدها أهالي الحي جراء هذه الاعتداءات.
يوضح حجة قائلًا: "نعيش في وضع صعب وسيء جدًا.. منذ 3 سنوات وحتى قبل 7 أكتوبر، ونحن نتعرض لاعتداءات متكررة من المستوطنين".
وقبل نحو ثلاثة أسابيع، تعمد المستوطنون قطع كوابل شبكة الكهرباء المغذية لحي المسعودية، وتفاقمت أزمة الظلام لتمتد يومين كاملين قبل أن ينجح الأهالي في إصلاح التخريب وإعادة التيار.
ولم تكد تمضي أسبوعان حتى عاود المستوطنون الكرة بوحشية أشد، فقطعوا الكوابل مرة أخرى، ولم تُستأنف الكهرباء إلا بعد انقضاء خمسة أيام ثقال.
ويلفت "حجة" الانتباه إلى أن قوات الاحتلال تماهت مع هذه الاعتداءات عبر عرقلة جهود الإصلاح في كل مرة، من خلال المماطلة المتعمدة في تنسيق وصول طواقم الصيانة إلى موقع الاعتداء الواقع في المنطقة المصنفة (ج)، بالتزامن مع إغارة المستوطنين المتمركزين في البؤرة على الطواقم بالسلاح والعصي.
ويكشف أن شهية المستوطنين التوسعية تتجاوز المسعودية لتطال مساحة شاسعة تتراوح بين عشرة إلى اثني عشر ألف دونم، تقع أكثر من نصف مساحتها في المناطق المصنفة (أ) و(ب) ضمن أراضي برقة وسبسطية ورامين ودير شرف والمسعودية.
وتبرز أهمية هذه المنطقة الواسعة لكونها تشكل شريان ربط حيوي بين محافظات نابلس وجنين وطولكرم، فضلًا عن احتوائها على المخزون الأكبر من المياه الجوفية المغذية لنابلس، واحتضانها لمنطقة سياحية وزراعية ومشاريع إسكانية واعدة.
وتضم مساحات شاسعة من مزارع الزيتون، ومشروعًا حيويًا للري بالمياه المعالجة تشرف عليه بلدية نابلس ووزارة الزراعة.
ومع اقتراب موعد قطاف الزيتون، تتضاعف هواجس الأهالي ومخاوفهم، خصوصًا مع تصاعد الهجمات مؤخراً لتتجاوز جغرافية المناطق (ج) وتقتحم عمق المناطق (ب) و(أ).
ويؤكد حجة بشعور يملأه الأسى: "نشعر أن هناك تقصيرًا من كل الجهات، وعدم إدراك لخطورة ما تتعرض له هذه المنطقة".
ويشدد على أن أهالي الحي يضربون أمثلة في الصمود والثبات، لكنهم بحاجة ماسة لإسناد حقيقي يعزز بقاءهم، محذرًا من أنه إذا نجح المستوطنون في خنق سبل الحياة وتهجير السكان، فإن هذه المساحات الهائلة ستسقط بالكامل في قبضة الاستيطان.
هجمات منظمة
وعلى فترات متقاربة، تتعرض منازل الحي لاجتياحات ليلية منظمة يقودها عشرات المستوطنين المدججين بالسلاح، تاركة خلفها في كل منزل حكايات موجعة من الإصابات الجسدية والخسائر المادية الفادحة في الممتلكات.
يروي موسى ادعيس، الذي تقطن عائلته وأشقاؤه في المسعودية، تفاصيل الاعتداءات المتكررة التي استهدفت بيوتهم بهدف كسر إرادتهم ودفعهم للرحيل، مشيرًا إلى أن أحدثها وقع قبل أسبوعين.
ويبيّن ادعيس لـ "وكالة سند للأنباء" أن المستوطنين هاجموا مساكنهم واعتدوا بوحشية بالضرب المبرح على شقيقه (55 عامًا) وابنه (19 عامًا)، مما أسفر عن إصابتهما بكسور ورضوض وجروح عميقة استدعت نقلهما العاجل للمستشفى.
وينوه إلى أن هذا الهجوم الهمجي جاء أعقاب أيام معدودة من تلقي شقيقه وعائلته تهديدات صريحة بالحرق والقتل إن لم يبادروا بمغادرة منازلهم.
وعن تداعيات قطع التيار الكهربائي، يوضح ادعيس أنه يتسبب بتلف المواد الغذائية المبردة، ويعرقل الحياة اليومية برمتها، لاسيما في ظل وجود طلبة مدارس وجمعيّات جامعية.
ويتوقع أن تكرار استهداف شبكة الكهرباء يندرج ضمن استراتيجية ممنهجة لفرض الرحيل القسري.
وإلى جانب أزمة الكهرباء، يعاني السكان من إغلاق تام لجميع الطرق المؤدية إلى المسعودية، مما يضطرهم لسلوك طرق بديلة شديدة الوعورة لبلوغ بلدة برقة.
ويؤكد أن هذه الطرق البديلة تفتقر لأبسط مقومات الأمان، إذ يتخذها المستوطنون مرتعًا لاعتراض المواطنين وترويعهم وإجبارهم على العودة تحت تهديد السلاح، فضلًا عن صلاحيتها المعدومة للسير خلال فصل الشتاء.
ورغم تلقيهم بعض الدعم المحدود، يطالب أهالي الحي بتدخلات عملية عاجلة، تضمن تزويدهم بأنظمة طاقة شمسية، ومولدات كهربائية، وخزانات مياه، فضلًا عن تحصين محيط بيوتهم بسياجات حماية آمنة.
ويلفت "ضيف سند" إلى أن شريحة من سكان المسعودية باتوا عاطلين عن العمل نتيجة تفرغهم التام لحراسة عائلاتهم ومنازلهم.
ويقول بلهجة حازمة: "نحن لا ننام ليلًا أو نهارًا، ونتناوب على الحراسة. ولا نترك بيوتنا بلا رجال خشية هجوم غادر من المستوطنين".
ويُشدد: "نحن الواجهة الأمامية لأربع قرى في المنطقة، هي: برقة، بزاريا، رامين، وسبسطية. وإذا تركنا المنطقة -لا سمح الله-، فستصبح حدود المستوطنين عند هذه القرى".
بؤرة لإرهاب المنطقة
من جهته، يقرأ رئيس بلدية سبسطية، ما يحدث في المسعودية، محمد عازم، كامتداد عضوي لما تواجهه البلدات المجاورة، وفي مقدمتها سبسطية التي تتعرض منطقتها الأثرية لحفريات وحملات تهويد ممنهجة.
ويوضح عازم لـ "وكالة سند للأنباء" أن البؤرة الرعوية المستحدثة في المسعودية استحالت بؤرة للإرهاب والبطش تستهدف الأهالي وأراضيهم وممتلكاتهم في المسعودية والقرى المحيطة، حارمةً أصحابها من الوصول إلى مساحات شاسعة من أراضيهم.
وتضرب أطماع الاحتلال في المسعودية جذورها عميقًا منذ سبعينيات القرن الماضي، حين حاولت حكومة الاحتلال إقامة مستوطنة هناك، إلا أن الهبّة الجماهيرية العارمة أجهضت المخطط في حينه.
وتحتضن المسعودية بقايا محطة سكة حديد الحجاز التاريخية التي تمثل معلمًا سياحيًا بارزًا، لكن الاحتلال أحكم إغلاقها في وجه المواطنين وحظر دخولها تمامًا.
غزو استيطاني متسارع
وخلال الأعوام الأخيرة، واجهت منطقة شمال غرب نابلس هجمات شرسة ووحشية من عصابات المستوطنين، مدعومة بشكل مباشر من جيش الاحتلال وموجهة من مستوياته السياسية.
ويشير عازم إلى أن المنطقة التي طالما اتسمت بخلوها النسبي من الاستيطان، باتت تتعرض لزحف استيطاني غير مسبوق.
ويحذر من المخاطر الجسيمة للمخططات الاستيطانية في هذه البقعة التي تمثل خزانًا مائيًا استراتيجيًا لمدينة نابلس وقراها الشمالية الغربية، لا سيما "بئر سبسطية" المنشأ عام 2010، والذي يرزح تحت اعتداءات متكررة تستهدف طواقمه ومنشأته لإحكام السيطرة عليه.
ويضيف أن مشروعًا زراعيًا واعدًا للاستفادة من المياه المعالجة أصيب بشلل تام نتيجة تخريب المستوطنين المتكرر للمزارع، والأشجار، وشبكات الري، والمعدات، بينما تقف عائلات مربي الثروة الحيوانية في سهل سبسطية ورامين عاجزة عن الوصول لمواشيها.
ويوضح حجم الخسارة بالقول أنّ المنطقة تضم أكثر من ستة آلاف شجرة زيتون، يغلبها القلق من حرمان أصحابها من الوصول إليها وجني ثمارها خلال الموسم الحالي.
