حين تضيق المساحة أمام منتجات الاحتلال الإسرائيلي بفعل حملات المقاطعة والقيود التجارية الدولية، يتقدم العمال الفلسطينيون إلى واجهة المشهد في خطاب بعض أصحاب المصانع الإسرائيلية؛ لا بوصفهم عمالًا حُرموا من حقوقهم ومصادر رزقهم، بل باعتبارهم حجة للتحذير من تبعات المقاطعة على الوظائف والإنتاج.
وهنا يبرز السؤال، هل باتت معيشة العامل الفلسطيني والاستعطاف الدولي تجاهه، تُستدعى للدفاع عن المصالح الاقتصادية الإسرائيلية، فيما تُغيّب الظروف والسياسات التي جعلت رزقه أصلًا رهينةً لسوق العمل الإسرائيلية؟
تتضح هذه المفارقة مع اتساع النقاش الدولي بشأن فرض قيود على منتجات مستوطنات الاحتلال، وتصاعد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية من أن تتجاوز الإجراءات التجارية نطاق المستوطنات لتطال شركات وبنوكًا أخرى مرتبطة بها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الجدل على الخسائر المحتملة التي قد تتكبدها الشركات، بل يمتد إلى توظيف مستقبل العمال الفلسطينيين في التحذير من تلك الإجراءات، بما ينقل مركز النقاش من مسؤولية النشاط الاقتصادي المرتبط بالاحتلال إلى الكلفة الاجتماعية المحتملة لمقاطعته، وهو ما أظهرته "وكالة سند للأنباء" في هذه المتابعة الخاصة.
ورقة دفاع في مواجهة المقاطعة
وأثيرت مخاوف في أوساط اقتصادية إسرائيلية من اتساع العقوبات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني، بعدما أعلنت دول أوروبية وكندا توجهات لفرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات أو دراسة اتخاذ إجراءات مماثلة.
وتركزت المخاوف الإسرائيلية، وفق ما ذكرته القناة "12 الإسرائيلية"، على صعوبة الفصل بين الاقتصاد الإسرائيلي داخل الخط الأخضر والأنشطة الاقتصادية في المستوطنات، بفعل تشابك سلاسل التوريد والتمويل والخدمات.
وتكشف هذه المخاوف عن جانب مهم من حساسية الاقتصاد الإسرائيلي تجاه المقاطعة والعقوبات؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بالسلعة التي قد تُمنع من دخول سوق بعينها، وإنما أيضًا بالعلاقات التجارية والمالية التي تربط الشركات بعضها ببعض، وباحتمال انتقال القيود من كيانات تعمل داخل المستوطنات إلى جهات تتعامل معها أو تقدم لها الخدمات.
وفي موازاة هذا القلق، برز خطاب إسرائيلي يحذر من أن القيود التجارية قد تلحق الضرر بالعمال الفلسطينيين العاملين في المصانع الإسرائيلية، في محاولة لشحذ الاستعطاف الدولي للعام الفلسطيني بما يخدم الإنتاج الإسرائيلي.
ففي تقرير نشرته صحيفة "ذا تايمز" البريطانية في أيلول/ سبتمبر 2026، عبّر مسؤول في مصنع إسرائيلي بمنطقة بركان الصناعية عن مخاوف من فقدان عمال فلسطينيين وظائفهم إذا تأثرت صادرات المصنع بالقيود البريطانية على منتجات المستوطنات.
ولا يعني ذلك أن احتمال فقدان الوظائف غير واقعي؛ فقد تتأثر العمالة بالفعل إذا تراجع الإنتاج أو أُغلقت منشآت.
وتكمن الإشكالية في استخدام هذا الاحتمال باعتباره الحجة المركزية ضد المقاطعة، من دون وضعه في سياقه الأوسع: من يملك قرار الإنتاج والتوظيف؟ ومن يتحكم في الوصول إلى الأسواق؟ ولماذا يرتبط دخل العامل الفلسطيني بمنشآت تعمل ضمن اقتصاد يملك الطرف الإسرائيلي سلطة واسعة على شروط الوصول إليه؟
بهذا المعنى، يصبح العامل الفلسطيني حاضرًا في الخطاب الاقتصادي بوصفه خسارة محتملة للمصنع، بينما تتراجع إلى الخلفية الأسئلة المتعلقة بحقوقه واستقراره المهني وقدرته على الوصول إلى بدائل عمل آمنة ومستدامة.
أرقام تكشف حجم الرهان الاقتصادي
لا تنفصل هذه السجالات عن المصالح التجارية الكبيرة المرتبطة بالأسواق الخارجية، فقد بلغت الصادرات الإسرائيلية إلى 12 دولة أوروبية وكندا نحو 24.8 مليار شيكل خلال عام 2025، من بينها نحو 5.1 مليارات شيكل إلى بريطانيا وحدها، استنادًا إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية.
وتراوحت تقديرات الصادرات المباشرة من المستوطنات بين 100 مليون شيكل سنويًا، وفق وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، و170 مليونًا وفق رابطة الصناعيين، فيما نُقل عن مسؤول في التجارة الخارجية تقدير بنحو 250 مليون دولار للصادرات من الضفة الغربية إلى أوروبا.
وتظهر هذه الأرقام ضرورة التمييز بين حجم التجارة الإسرائيلية الإجمالي وبين صادرات المستوطنات تحديدًا؛ فالأرقام لا تقيس النطاق نفسه، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها قيمة واحدة. وتوضح هذه الأرقام أن اتساع القيود التجارية قد يحمل دلالات تتجاوز القيمة المباشرة للسلع المستهدفة، خصوصًا إذا أثار مخاوف الشركات من إجراءات أوسع أو من صعوبة الفصل بين أنشطتها داخل "إسرائيل" وأنشطتها المرتبطة بالمستوطنات.
وفي 9 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت بريطانيا توجهها لحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية، على أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر.
وأعلنت 11 دولة أخرى دعمها اتخاذ إجراءات تقييدية مماثلة أو التوجه نحوها، وتشير التقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي استحوذ على 31.7% من إجمالي تجارة السلع الإسرائيلية في عام 2025، بقيمة 43.3 مليار يورو.
مفارقة
ويتجاهل الحديث عن العمال الفلسطينيين بوصفهم المتضرر المحتمل من المقاطعة حجم الخسائر التي لحقت بهم نتيجة القيود الإسرائيلية على العمل منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
فبحسب بيانات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في عام 2026، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية من نحو 129 ألفًا في الربع الثالث من عام 2023 إلى نحو 280 ألفًا في الربع الرابع من عام 2025، فيما ارتفعت البطالة من قرابة 13% إلى 28%، و284 ألف شخص في الربع الثاني من عام 2026، بمعدل بطالة وصل نحو 38%.
وفي الفترة نفسها، تراجع عدد العاملين من الضفة الغربية في "إسرائيل" والمستوطنات من نحو 172 ألفًا قبل الحرب إلى قرابة 25 ألفًا في الربع الرابع من عام 2023، قبل أن يرتفع جزئيًا إلى نحو 51 ألفًا في الربع الرابع من عام 2025.
وتعني هذه الأرقام أن عشرات آلاف العمال فقدوا مصادر دخلهم أو تراجعت فرصهم في العودة إلى سوق العمل الإسرائيلية، في ظل القيود التي فرضتها سلطات الاحتلال على دخول الفلسطينيين إلى أماكن عملهم.
وانعكست هذه الخسائر على الأسر الفلسطينية والأسواق المحلية، وأضعفت القدرة الشرائية والنشاط الاقتصادي في مدن وبلدات الضفة الغربية.
وبحسب الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، فإن نحو 570 ألف عامل تعطلوا عن العمل في فلسطين خلال ألف يوم من الحرب والإجراءات الإسرائيلية، وأن خسائر العمال تجاوزت 10 مليارات دولار، وفق تقديرات الاتحاد.
وتنسجم هذه الصورة مع ما أورده تقرير منظمة العمل الدولية بشأن آثار الحرب على التشغيل وسبل العيش في الضفة الغربية، إذ أشار إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الفلسطيني بنسبة 29% بين الربع الأول من عام 2023 والربع الأول من عام 2025، مع انكماش اقتصاد الضفة الغربية بنسبة 17.1% وانهيار اقتصاد غزة بنسبة 87.4% خلال الفترة نفسها.
ويظهر العامل الفلسطيني في الخطاب الاقتصادي الإسرائيلي بوصفه ضحية محتملة للمقاطعة، كان قد تعرض بالفعل لخسائر واسعة جراء إغلاق سوق العمل أمامه وتقييد وصوله إلى مصدر رزقه.
وتفرض هذه المفارقة إعادة النظر في الطريقة التي تُستخدم بها معيشة العمال في النقاش بشأن العقوبات: هل تُطرح حقوقهم باعتبارها حقًا مستقلًا يجب حمايته، أم تُستدعى فقط عندما يصبح استمرار الإنتاج الإسرائيلي أو وصوله إلى الأسواق مهددًا؟
من المستفيد من إبقاء العامل رهينة؟
تكشف الوقائع أن الخطر على العمال لا يبدأ مع المقاطعة، بل يرتبط أيضًا ببنية اقتصادية تجعل فرصهم شديدة التأثر بالقيود الإسرائيلية على الحركة والعمل، وبضعف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على استيعاب الأعداد المتضررة.
لذلك، فإن تحميل المقاطعة وحدها مسؤولية أي خسائر محتملة في الوظائف يتجاهل سياقًا أوسع من السياسات والاختلالات التي جعلت العامل الفلسطيني عرضة لهذه الهشاشة.
ولا تتوقف المسألة عند ما إذا كانت المقاطعة ستؤثر في أرباح مصنع أو صادرات شركة؛ بل تمتد إلى حق الفلسطينيين في بناء اقتصاد قادر على توفير فرص عمل مستقرة، بعيدًا عن الارتهان لقرارات الاحتلال وتقلبات أسواقه.
فبدلًا من أن يبقى العامل الفلسطيني حاضرًا في الخطاب الإسرائيلي باعتباره حجة دفاعية عند التهديد بالعقوبات، ينبغي أن يكون حاضرًا في أي نقاش اقتصادي باعتباره صاحب حق في العمل الكريم والأمان الوظيفي والاستقلال المعيشي.
