في المشهد المأساوي لقطاع غزة، المتشكل من ركام الحجارة المعطوبة وحديد متفحم تصاعدت منه روائح الزيت المحروق وذكريات العقود، لا تقتصر آثار حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على هدم الجدران وإسقاط الأسقف؛ بل تتعداها لاغتيال الروح الإنتاجية والصانعة للقطاع.
وفي هذا الواقع، تحولت الورش والمصانع المدمرة إلى مقابر صامتة لذكريات كافح أصحابها طوال عقود لتثبيت دعائمها. فبالنسبة للنجار والحداد والميكانيكي، لا تُعد الآلة مجرد أداة من الحديد يُكسب بها الرزق، وإنما تجسد الشريك الأقدم في رحلة العمر، والامتداد الطبيعي لأصابع الأيدي الخشنة، والهوية الحية التي تختصر أعواماً طويلة من التعب والعرق والمهارة.
حين يبكي النجار "منشار عمره"
على عتبة ما تبقى من منشرته التي غدت كتلة من الرماد المعبق برائحة الخشب المحترق، يجلس سامي عيسى "أبو محمد" (58 عاماً)، ممسكاً بقطعة خشب متفحمة كأنه يودع قطعة من روحه.
أمضى "أبو محمد" أربعين عاماً في مهنة النجارة الدقيقة، رافقه خلالها منشار عتيق ومجموعة من الأزاميل والمساطح التي ورث بعضها عن والده، وأضاف إليها بعرقه يوماً بيوم.
ويقول بصوت يغالبه الشجن لـ "وكالة سند للأنباء": "كان المنشار يصدر نغمة مألوفة أعرفها كما أعرف دقات قلبي، وكان الخشب ينحني تحت يدي بانسجام تام. وعندما قُصف المكان، لم أتألم على جدران الطوب بقدر ما آلمني رؤية أدواتي تذوب وتتطاير رماداً".
ويضيف بحرقة تتجلى في ملامحه: "لقد أخذوا مني تاريخي وهويتي المهنية التي رافقت شبابي؛ فأنا اليوم أقف عاجزاً لا أملك شيئاً آخر أتقنه سوى هذه الصنعة التي اندثرت، وها أنا بلا مصدر رزق".

سندان الحدادة الذي أخرس إيقاع الأيام
غير بعيد عن المكان، في شرق مدينة غزة التي طالها الدمار الواسع، يقف أمجد الحافي "أبو إبراهيم" (63 عاماً)، وهو حداد ورث أسرار المهنة عن أجداده ونقلها بيديه إلى أبنائه لتبقى أمانة تنتقل عبر الأجيال.
ويرسم لمراسلة "وكالة سند للأنباء" مشهداً بصرياً يفتقده للسندان الحديدي الضخم، الذي كان يهز أرجاء الشارع بإيقاعه المنتظم وصوته الرنان كل صباح ليصنع من صلب الحديد أدوات الحياة، وقد بات اليوم ممدداً على جانبه، مشوهاً بشظايا الانفجار وملطخاً بالركام.
ويعبر "أبو إبراهيم" عن عمق الفجيعة بغصة بالغة قائلاً: "الحداد بلا سندان ومطرقة هو رجل بلا ذاكرة ولا ملامح. فالآلة بالنسبة لنا ليست أداة عمل جافة فحسب، بل هي رفيق الدرب الصامت الذي شهد على انحناء ظهري وتعب سندي في بناء مستقبلي وعائلتي".
ويستطرد عن ألمه لفقدان ورشته: "فقدان ورشتي يعني أنني أصبحت عاجزاً عن كتابة فصول جديدة في كتاب حياتي المهنية، وأن تاريخاً كاملاً تحول إلى صمت مطبق، وأن مصدر رزقي قد اختفى".
مفتاح الربط الأخير بورشة الميكانيكا
ولم تسلم ورش الميكانيكا وصيانة السيارات من هذا المصير القاسي؛ إذ طالها الدمار الإسرائيلي شأنها شأن بقية المنشآت في القطاع.
محمود سالم (32 عاماً)، شاب كرّس زهرة شبابه لتعلم فنون هندسة المحركات، وجمع بمدخراته المتواضعة أدوات متكاملة من مفاتيح الربط الدقيقة والأجهزة الحديثة. واليوم، تحولت ورشته إلى ساحة خاوية تكالبت عليها الأتربة والأنقاض، وغابت عنها أصوات المحركات وأزيز مفاتيح الفك والتركيب.
ويروي "سالم" بمرارة: "كنت أتأمل مفتاح الربط رقم 14 الذي استخدمته منذ أول يوم عمل لي، وكأنه مفتاح باب الرزق. لقد فقدته اليوم مع باقي العدة التي جمعتها بعرق جبيني".
ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء" أن الفقد هنا لا يقتصر على خسارة مادية قابلة للتعويض السريع، بل يمثل قطاعاً قاسياً لصلة الوصل بين طموحات شاب كان يبني مستقبله بلحظات عمل دؤوب، وبين واقع مرير تبدد في ومضة انفجار.

انهيار القطاع الإنشائي
وتكتسب هذه الحكايات المستمدة من واقع الحرفيين أبعاداً أعمق عند إسقاطها على السياق العام للواقع المعيشي والاقتصادي بقطاع غزة؛ حيث تعرض القطاع الإنشائي لـ "انهيار واسع"، وتوقفت الحرف الصناعية تماماً نتيجة حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
ويكشف عضو اتحاد الصناعات الإنشائية في غزة، بسام عطا الله، لـ "وكالة سند للأنباء"، عن تدمير ما يُقدّر بنحو 90% من المنشآت الصناعية الممتدة من شمال القطاع إلى جنوبه.
ويوضح "عطا الله" أن عدد المنشآت الإنشائية المرخصة يبلغ قرابة 600 منشأة، إلى جانب عشرات المصانع غير المرخصة التي تشكل ركيزة أساسية لهذا القطاع، والذي يشمل أنشطة واسعة مثل مصانع البلوك، والباطون، والرخام، والإسفلت، والبلاط.
ويلفت إلى أن هذه المنشآت تشغل نحو 6 آلاف عامل بشكل مباشر، فضلاً عن عشرات الآلاف من العمال غير المباشرين في المهن المرتبطة بها؛ ما أدى توقفها إلى شلل واسع في سوق العمل المرتبط بالبناء والإنشاءات.

وينوه إلى توقف 11 حرفة صناعية تماماً في ظل الانهيار الشامل، موضحاً أن الاتحاد العام للصناعات يضم 11 اتحاداً تخصصياً تغطي قطاعات المواد الغذائية، والملابس، والإنشائية، والمعدنية، والخشبية، والألمنيوم وغيرها، وتعتمد جميعها على شريحة واسعة من العمالة.
وبحسب "عطا الله"، يُعد اتحاد الصناعات الإنشائية من أكبر الاتحادات وأكثرها تشابكاً مع قطاعات أخرى كقطاع المقاولات؛ ما يضاعف الحجم الكارثي لتوقفه على مستوى الشركات والأفراد على حد سواء.
معطيات صادمة.. تدمير القاعدة الإنتاجية
ولا يتوقف المشهد عند حدود الورش المدمرة، بل يمتد ليشمل انهيار قاعدة الإنتاج بأكملها بعد أعوام طويلة من الحصار والقيود التي أضعفت قدرة القطاع الصناعي على النمو.
وتوضح البيانات الدولية الرسمية فداحة هذا التراجع غير المسبوق؛ إذ يفيد أحدث تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، الصادر في سبتمبر/ أيلول 2026، بتضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في حين سجل إنتاج القطاع الصناعي انخفاضاً حاداً بلغت نسبته نحو 94% مقارنة بمستويات عام 2022.
وكان القطاع الصناعي يعاني مسبقاً من بيئة إنتاجية بالغة المعاناة؛ حيث تشير تقييمات البنك الدولي إلى أن المنشآت كانت تحصل قبل الحرب على تغذية كهربائية تراوحت بين 11 و16 ساعة يومياً في المتوسط؛ ما فرض تكاليف تشغيلية باهظة حدت من قدرتها التنافسية.
واستناداً إلى التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في أبريل/نيسان 2026، بلغت الخسائر والأضرار المقدرة في قطاع التجارة والصناعة نحو 6.35 مليارات دولار؛ منها 5.72 مليارات دولار للمنشآت المدمرة كلياً، ونحو 632.9 مليون دولار للأضرار التي لحقت بالمنشآت القابلة للإصلاح، بما يشمل المعدات، والآلات، والأثاث، والمركبات، والمخزون.
وتكشف الأرقام اتساع الفجوة بين حجم التدمير ومتطلبات إعادة التشغيل؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار لقطاع التجارة والصناعة وحده تصل إلى نحو 9 مليارات دولار.
ويتوزع هذا المبلغ بين نحو ملياري دولار مخصصة لاستعادة الآلات والمعدات، ونحو 907 ملايين دولار لرأس المال العامل، فضلاً عن مليارات إضافية لإعادة بناء المنشآت، وتأهيل البنية التحتية، وربطها مجدداً بشبكات المياه والكهرباء والأسواق.

صدى الفاقد وأفق البقاء
تتجاوز شهادات الحرفيين وتداعيات الأرقام الرسمية حدود الأضرار المادية الفادحة لتلامس عمق الروح الإنسانية المكلومة؛ فالتدمير الممنهج للبنية التحتية والمنشآت الحرفية يمثل محاولة لاجتثاث مقومات البقاء والاستقلال الاقتصادي للإنسان الفلسطيني.
وحين تقف هذه المشاغل ساكنة مكسورة الأدوات، فإنها لا تُعلن فقط عن شلل شريان الإنتاج الاقتصادي، بل تحفر في الذاكرة الجمعية ندوباً عميقة لجيل كامل سُلب حقه في العمل والكرامة وصناعة الغد بيديه.
