الساعة 00:00 م
السبت 31 أكتوبر 2026
16° القدس
15° رام الله
15° الخليل
23° غزة
4.16 جنيه إسترليني
4.39 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.11 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

ترجمة خاصة مفقودو غزة: مصائر مجهولة وقلوب معلّقة

حجم الخط
غزة.jpeg
غزة- وكالة سند للأنباء (ترجمة خاصة)

بعد أكثر من عام على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال عائلات فلسطينية تبحث عن أحبائها الذين اختفوا خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.

وكل يوم، تبحث تهاني فايز، وهي أم تبلغ من العمر 52 عامًا من غزة، في هاتفها عن صور ومقاطع فيديو لابنها. كان منار يبلغ 22 عامًا حين غادر خيمة العائلة في مخيم المواصي بغزة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ولم يعد.

وقالت فايز وهي تبكي، بينما تملأ صورة ابنها شاشة هاتفها: «إنه طقس لا يمكنني التخلي عنه». وكان منار يطلب منها التقاط صور له حتى تشعر والدته بوجوده عندما يكون بعيدًا.

ولا تزال فايز تحتفظ بملابس ابنها وأحذيته وأغراضه الأخرى، لا باعتبارها تذكارات فحسب، بل أملًا في عودته يومًا ما، حيث تربها بعناية، وتقبّلها، وتروي قصة كل قطعة: البنطال والقميص الأزرقان اللذان ارتداهما في آخر عيد أضحى احتفل به، والبدلة الرياضية السوداء التي كان يرتديها في المنزل. وحتى الجوارب، لكل منها حكاية.

وقتلت دولة الاحتلال أكثر من 74 ألف فلسطيني في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووفق وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 1400 شخص بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وقال عمر نوفل، رئيس اللجنة الحكومية لشؤون المفقودين وقاضٍ في المحكمة الشرعية العليا بغزة، إن 21,500 شخص أُبلغ رسميًا عن فقدانهم. وأكد أن معظمهم استشهدوا، ومن بينهم 8,000 ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض، لكن مصير 6,000 شخص لا يزال مجهولًا؛ فلا أحد يعرف مكانهم أو ما حدث لهم، ولا ما إذا كانوا أحياءً أم أمواتًا. وأوضح أن هذه الأرقام تشمل الحالات المسجلة فقط، فيما لم يُبلّغ عن آلاف آخرين.

"لا أستطيع تحمل تخيّل الإجابات"

قالت فايز إنها لم تشعر بلحظة سلام واحدة منذ اختفاء منار الذي كان واحد من أربعة إخوة، يعاني حالة عصبية جعلته يحتاج إلى رعاية أكبر من إخوته.

وعندما كان صغيرًا، كان يترك لأمه رسائل في دفتر ملاحظات وعلى قصاصات ورق، يعتذر فيها عن إرهاقها ورفع صوته وتأخره في العودة إلى المنزل، ويؤكد لها أنها أغلى إنسانة في العالم. وكانت يداها ترتجفان حين تمدهما لالتقاط الرسائل، لذلك كانت تصفها له.

وقالت "انقلبت حياتي رأسًا على عقب. تخيلوا، لا أعرف شيئًا عن ابني، ولا أحد يجيب عن سؤالنا: ماذا حدث له، وأين هو الآن؟".

وأضافت: "هل استشهد؟ هل أُسر؟ ماذا حدث؟ كيف قضى لحظاته الأخيرة؟ هل جُرح وتُرك ينزف؟ هل كان جائعًا أو عطشانًا أو يشعر بالبرد؟ لا أستطيع أن أتخيل الإجابات".

وكل ما تريد فايز معرفته هو مكان ابنها: هل هو محتجز لدى الاحتلال، أم أنه استشهد، حتى تتمكن من دفنه والحزن عليه وزيارة قبره عندما تشتاق إليه.

وقالت: "قبر، لا أريد أكثر من ذلك. أو أخبروني أن ابني أسير أو جريح، أو أين هو الآن".

وانتحبت فايز وهي تتحدث، فيما حاول زوجها محمد، البالغ من العمر 58 عامًا، تهدئتها بتلاوة آيات من القرآن الكريم.

وقال محمد إن العائلة فحصت، منذ اختفاء منار، أكثر من 70 جثة على أمل أن تكون إحداها جثته. وفي إحدى المرات، ظنوا أنهم عثروا عليه، إلى أن جثت فايز على ركبتيها لتتفحص الجثة عن قرب. كان صاحبها يرتدي حذاءً رياضيًا وجوارب، بينما كان منار يرتدي خفّين حين اختفى. كما كان شعره خشنًا، خلافًا لشعر الجثة التي أمامهما.

وأضاف محمد أن العائلة بحثت في كل مكان، من المستشفيات ومراكز الشرطة إلى المقابر. وتواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقدم وصفًا لملابس ابنه يوم اختفائه، أملًا في معرفة مكانه، لكنه لم يتلق أي رد منذ ذلك الحين.

وقال محمد: "دُمّرت منازلنا، ونُزحنا منذ الأيام الأولى للحرب، وفقدنا أحباءنا. لكن ما حدث لابني هو الأمر الأكثر إيلامًا. لا نعرف إن كان قد استشهد أم لا يزال على قيد الحياة، والأسوأ أنه لا توجد جهة فلسطينية أو دولية أو إسرائيلية تقدم لنا إجابة واضحة".

وأضاف: "أنا مثل عائلات المفقودين الأخرى، في حيرة من أمري. لا نملك أي معلومات، ويرفض الاحتلال تزويدنا بأي شيء، ولا سبيل لنا لمعرفة مصير ابننا. إن كان قد مات، فسأصلي من أجله وأريد رفاته. وإن كان محتجزًا، فليخبرونا بذلك".

"بكل الوسائل المتاحة"

قال عمر نوفل: "لم نتلق أي معلومات من الاحتلال الإسرائيلي عن الأحياء أو الأموات من المفقودين، باستثناء ما يعلنه عن أسرى غزة".

وأوضح نوفل أن تأكيد الوفاة لا يعني بالضرورة العثور على الجثة؛ فقد احترق بعض الأشخاص في غارات إسرائيلية، وأكدت عائلاتهم أنهم كانوا داخل المبنى وقت استهدافه.

وأضاف أن سلطات الاحتلال سلّمت 800 رفات، لكن العائلات لم تتعرف إلا على 120 منها من خلال الصور، فيما دُفنت البقية في مقابر مرقمة. ولم تُؤخذ عينات الحمض النووي إلا من 400 شخص بسبب الحرب، كما أن دولة الاحتلال لا تسمح بنقلها من غزة لإجراء الفحوص.

وقال إن اللجنة اجتمعت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من 20 مرة، لكن المنظمة أوضحت أنها لا تملك سلطة إجبار الاحتلال على الكشف عن هويات الجثامين التي أعادتها أو تحتجزها، أو على تقديم معلومات عن المحتجزين.

وتفتقر غزة أيضًا إلى الآليات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض وانتشال الجثامين، فيما لا تزال جثث عالقة في مبانٍ مدمرة خلف "الخط الأصفر" الإسرائيلي، حيث يُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها.

وقال نوفل: "مواردنا معدومة، لكن مسؤوليتنا الوطنية والإنسانية والقانونية تدفعنا إلى القيام بذلك بكل الوسائل المتاحة".

وأكد أن الأرقام لا تشمل إلا الحالات المسجلة، وأن آلاف المفقودين لم يُسجلوا لأسباب عدة؛ منها مقتل عائلات بأكملها من دون أن يبقى أحد للإبلاغ عنها، أو وجود أقاربهم خارج غزة، أو أن يكون الناجي الوحيد طفلًا.

وقال: "بالنسبة إلى الآلاف الموجودين على قوائمنا، ليس لدينا أي معلومات على الإطلاق. هذا هو التحدي الأكبر الذي نواجهه".

البحث عن علامات

مثل عائلة فايز، يبحث أحمد الأسطل، البالغ من العمر 56 عامًا، عن ابنه سعيد منذ 22 فبراير/شباط 2024.

كان سعيد يبلغ 15 عامًا حين غادر خيمة عائلته النازحة في المواصي محاولًا العودة إلى منزلهم في شمال خان يونس، في منطقة كان الجيش الإسرائيلي يعمل فيها. ولم يعد أبدًا.

وبحث الأقارب والأصدقاء عنه بلا كلل؛ فنبشوا القبور، وفتشوا بين الجثامين والمنازل المدمرة، وتفقدوا المستشفيات، واتصلوا بكل منظمة قد تتمكن من مساعدتهم.

وقال الأسطل: "لا شيء. لم نجد شيئًا. كنت أتمنى لو عثرت على جثته أو رفاته أو حتى بعض ملابسه، لنطمئن ونتأكد من موته. على الأقل كنا سننعم ببعض الراحة، ولكان له قبر، كما تحلم زوجتي".

وفي اليوم التالي لاختفاء سعيد، خرج خطيب شقيقته للبحث عنه، فأطلق الجيش الإسرائيلي النار عليه وقتله، بحسب رواية الأسطل. وقال: "تمكنا من استعادة جثمان خطيب ابنتي ودفنه".

وتواصل الأسطل مع منظمة "هموكيد" الحقوقية الإسرائيلية، ومنظمة الضمير الفلسطينية لحقوق الإنسان. وأبلغته المنظمتان أن الجيش الإسرائيلي نفى احتجاز سعيد.

وقال الأسطل: "لكن الصليب الأحمر ومنظمات حقوقية أخرى تؤكد لي أن هذا ليس دقيقًا بالضرورة. هناك أعداد كبيرة من الأشخاص لم يكشف الجيش الإسرائيلي عن هوياتهم، رغم أن عائلاتهم شهدت لحظة اعتقالهم".

وأضاف أنه لا يزال يأمل في سماع أخبار عن ابنه، حتى يتمكن هو وزوجته وأطفالهما الستة من إيجاد بعض الراحة. ومن دون جثة أو دليل على الوفاة، لا تستطيع اللجنة الحكومية المعنية بالمفقودين إصدار شهادة وفاة لسعيد.

سياسة متعمدة

قال الناشط الحقوقي في غزة حسين حماد إن المفقودين في القطاع ينقسمون إلى ثلاث مجموعات: أشخاص تحت الأنقاض، وأشخاص احتجزهم الجيش الإسرائيلي وأخفاهم قسرًا، وآخرون اختفوا أو فروا تحت نيران العدو.

وأوضح أن أي أرقام عن المفقودين تظل تقديرية، لغياب نظام مركزي لإحصائهم بدقة في ظل استمرار الحرب والنزوح وتدمير إسرائيل للسجلات. كما حذر خبراء أمميون من أن الأرقام الفعلية للمفقودين والمختفين قسرًا في غزة أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.

وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تجاهلت التحقيقات القانونية ونداءات منظمات حقوق الإنسان، ورفضت التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر طوال معظم فترة الحرب.

وأعلنت اللجنة أنها استأنفت زيارات أماكن الاحتجاز في غزة خلال النصف الأول من عام 2026، لكنها لم تستأنف زيارات السجون الإسرائيلية.

وقال حماد إن سلطات الاحتلال تتعمد إبقاء مصير المفقودين غامضًا، معتبرًا ذلك أداة للحرب النفسية والعقاب الجماعي.

وأضاف: "هناك بالتأكيد عشرات، إن لم يكن مئات، من المعتقلين الذين تحتجزهم قوات الاحتلال، ولا تعرف عائلاتهم عنهم شيئًا، ولم يزرهم محامٍ حتى اليوم".

وأشار إلى أن سلطات الاحتلال سلّمت مرارًا جثامين وأجزاءً منها من دون معلومات تعريفية أو سجلات طبية أو أدلة جنائية. واعتبر ذلك انتهاكًا للقانون الدولي ووسيلة للتهرب من المساءلة عن ظروف الوفاة، التي قال إنها كثيرًا ما تحمل آثار تعذيب أو إعدام خارج نطاق القضاء.

وأكد حماد أن دولة الاحتلال مسؤولة قانونيًا عن مصير من احتجزتهم أو قتلتهم بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم الدولة المحتلة بحماية المدنيين وتقديم معلومات دقيقة عن المحتجزين واحترام الشهداء.

وانتقد حماد أداء الهيئات الدولية، ومنها وكالات الأمم المتحدة، قائلًا إنها أظهرت "قصورًا شديدًا وبطئًا بيروقراطيًا"، واكتفت بوثائق خجولة وبيانات قلق من دون ممارسة ضغط حقيقي على دولة الاحتلال.

وفي المقابل، أنشأ فلسطينيون مؤسساتهم الخاصة لكشف مصير المفقودين، ومنها المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرًا والمؤسسة الفلسطينية للمفقودين. وقال حماد إن هذه المؤسسات، رغم محدودية مواردها، تمثل "شريان حياة" لحماية حقوق المفقودين، وقد توفر أدلة مهمة لمحاسبة الاحتلال قانونيًا.

ودعا إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة مختصة بالمفقودين والمختفين قسرًا في غزة، وممارسة ضغط دبلوماسي وقانوني لفتح السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر من دون قيود، وتوفير تمويل عاجل لإنشاء بنك وطني للحمض النووي ومختبرات للطب الشرعي.

وقال حماد: "إن الاختفاء القسري الممنهج ليس أمرًا عرضيًا، بل قرار سياسي وعسكري مصمم لمضاعفة معاناة العائلات وترويع المجتمع بأكمله".

 

لقراءة نص التقرير كاملا على موقع موندووايس أضغط هنا