الساعة 00:00 م
الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
23° القدس
21° رام الله
23° الخليل
26° غزة
4.21 جنيه إسترليني
4.43 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.14 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

تفاصيل "هندسة التجويع".. كيف يُجرّد الاحتلال غزة من أمنها الغذائي ويدمر اقتصادها؟

حجم الخط
حصار غزة
غزة - وكالة سند للأنباء

تجاوزت القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة البضائع الوافدة إلى قطاع غزة حدَّ التحكم في أعداد الشاحنات العابرة للأنفاق والمعابر؛ لتنفذ إلى صلب نوعية السلع وأصنافها.

وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسةٍ ممنهجة تقوم على الهندسة الدقيقة لما يُسمح بطرحه في الأسواق وما يُحظر عنه، بما يُبقي الاقتصاد المحلي في حالة عجزٍ دائم، ويُجهض محاولات القطاعات الإنتاجية لاستعادة قدرتها التشغيلية أو بناء مخزونٍ سلعيّ استراتيجي يقي المواطنين غائلة أزمات النقص المتكررة.

وتكشف البيانات الاقتصادية عن اختلالٍ حاد في هيكلية الواردات؛ إذ تطلق سلطات الاحتلال العنان لإدخال أصنافٍ غذائية يغلب عليها الطابع الاستهلاكي الثانوي، بالتوازي مع تشديد الحظر على المواد الخام الصناعية ومستلزمات الإنتاج والقطاعات الحيوية، الأمر الذي يُكرّس ارتهان القطاع للسلع المستوردة، ويُجرّده من مقومات إنتاج احتياجاته الذاتية.

ويصف مراقبون اقتصاديون هذه الممارسات بـ "هندسة إدخال البضائع"، مؤكدين تحوّل المعابر إلى أداةٍ للتحكم بالأسواق عبر إملاء أولوياتٍ سلعية لا تقاطُع بينها وبين المتطلبات الفعلية للسكان، ولا تتيح مجالاً لإعادة ترميم النشاط الاقتصادي المتداعي جراء الدمار الواسع الذي خلفته الحرب.

وفي وقتٍ تفيض فيه بعض الأسواق بأصنافٍ محددة من المواد الاستهلاكية، ترزح قطاعات الصناعة والنقل والبناء والخدمات تحت وطأة شحٍّ صريح في المواد الضرورية لإدارة عجلة التشغيل، وسط تحذيراتٍ متصاعدة من أن إدامة هذا الواقع تُهدد بتثبيت الشلل الاقتصادي وتعميق الأزمات المعيشية.

200 صنف فقط.. انكماش واردات غزة بنسبة 98%

ويُسلط نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل في قطاع غزة، جهاد اسليم، الضوء على التراجع الحاد في تنوع السلع المسموح بنفاذها، كاشفًا أن الاحتلال الإسرائيلي يقلّص الأصناف إلى نحو 200 صنف فقط من أصل 10 آلاف صنف كانت تتدفق إلى الأسواق قبل اندلاع الحرب.

وأوضح اسليم في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن البضائع المسموح بنفاذها تنحصر في نطاق الأغذية، مستدركًا بأن أكثر من 80% منها مجرد مواد استهلاكية وغير أساسية، بينما تتواصل القيود الميدانية على دخول المستلزمات اليومية الحيوية التي يحتاجها المواطنون.

وشدد اسليم أن انكماش القائمة التجارية من 10 آلاف إلى 200 صنف يجسد عمق الاختلال في حركة التجارة الوافدة، ويُسهم في تجريد الأسواق من التنوع السلعي الذي كان سائدًا قبل الحرب، فضلاً عن انعكاسه المباشر على قدرة التجار في استيفاء متطلبات المواطنين.

من جانبه، يقول عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية، رياض السوافيري، إنّ هذه الأرقام تُدلل على هبوط الأصناف المسموح بنفاذها بنسبة تصل إلى 98% مقارنة بما كان يدخل القطاع قبل الحرب؛ وهي نسبة تعكس تحولاً جذريًا في النمط التجاري، وتؤكد أن الأزمة تتجاوز المفهوم التقليدي لقلة المعروض لتطال ماهية المعروض نفسه.

ولفت السوافيري في تصريح لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن العقدة لا تكمن في أعداد الشاحنات أو أحجام البضائع الواردة فحسب، بل تمتد لتصطدم بطبيعة الأصناف؛ إذ إن إغراق الأسواق بسلع استهلاكية غير أساسية لا يُعوض الخلل الناجم عن غياب المواد الضرورية.

تجفيف المخزون الاستراتيجي وتجريد غزة من الأمان الغذائي

وعلى صعيد التحوّط التجاري، أشار السوافيري إلى استحالة تكوين مخزون استراتيجي من السلع داخل القطاع في ظل المعطيات الراهنة، نتيجة الاشتراطات المشددة على المعابر، ومحدودية الأصناف والكميات المتدفقة، إلى جانب ارتباك حركة التوريد وعدم انتظامها بما يلبّي احتياجات السوق المحلية.

ونبّه إلى أن العجز عن تخزين السلع يُشكل تهديدًا خطيرًا لاستقرار الأسواق، كونه يربط توفر المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية بما يعبر اليوم بيومه عبر المنافذ، مما يُضاعف احتمالات وقوع انقطاع مفاجئ في حال توقفت عمليات الشحن أو جرى تقليصها.

ورأى السوافيري أن هذا الواقع يُجرّد الأسواق الفلسطينية في غزة من "هامش الأمان التجاري" المُسعف في حالات الطوارئ؛ فتغدو أي إجراءات جديدة على المعابر أو اضطرابات في حركة الشاحنات سببًا مباشرًا في تهديد الأمن الغذائي وتأجيج قفزات حادة في الأسعار.

وأكد أن انعدام القدرة على بناء المخزون يُعطل قدرة التجار والمستوردين على التخطيط للاحتياجات على المدى المتوسط، ويجعل عملية الاستيراد برمتها رهينة لمزاجية سلطات الاحتلال وما تسمح بعبوره، بدلاً من الارتهان للاحتياجات الفعلية للسكان والنشاط الاقتصادي.

 

وأشار إلى أن خطورة هذه الأزمة تتجاوز النطاق التجاري الصرف لتصيب الأمن الغذائي في مقتل، مؤكدًا أن انتظام الإمدادات لا يتحقق بمجرد عبور شاحنات محملة بالبضائع، بل يستلزم تدفقًا مستقرًا ومتنوعًا يُغطي الاحتياجات الأساسية ويسمح بتشكيل احتياطاتٍ كافية لمواجهة حالات الانقطاع.

شلل المنظومة الصناعية وحظر المواد الخام

ولا تقف سياسة التحكم الإسرائيلي عند حدود السلع الغذائية، بل تمتد لتخنق القطاع الصناعي الذي يكابد قيوداً صارمة تحول دون وصول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج الكفيلة بإعادة تشغيل المصانع والمنشآت المتضررة.

وفي هذا الصدد، أفاد المدير التنفيذي للاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، خضر شنيورة، بأن الاحتلال الإسرائيلي يُواصل فرض حصارٍ مُشدد على إدخال المواد الخام ومستلزمات الإنتاج الصناعي.

ولفت إلى أن القيود تطورت من حظر أصنافٍ محددة بذرائع أمنية إلى منع شامل للمواد الخام، ما يُهدد فرص استئناف الإنتاج وإحياء القطاع الصناعي.

وذكّر شنيورة في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" بأن الاحتلال كان يفرض، حتى ما قبل الحرب، قيوداً على دخول المواد الخام التشغيلية للمصانع، مُدرجًا نحو 30 سلعة ومادة ضمن ما يُسمى بقائمة "المواد مزدوجة الاستخدام" بدعوى إمكانية تسخيرها لأغراض غير مدنية، رغم محوريتها في العمليات الصناعية والإنتاجية.

واستدرك شنيورة موضحًا أن الإجراءات الإسرائيلية تجاوزت تلك القائمة لتتسع وتطال منع السلع والمواد الخام الصناعية بأسرتها، مما يحرِم المنشآت الإنتاجية من المقومات المبدئية لمعاودة نشاطها، ويضع أصحاب المصانع أمام تعقيداتٍ بالغة في ظل الدمار الهائل الذي ألحقته الحرب بالنية التحتية الصناعية.

وبيّن أن هذه المعطيات تؤكد تحول السياسات الإسرائيلية من اشتراط تصاريح خاصة لمواد محددة إلى منعٍ كلي لمستلزمات الإنتاج، وهو ما يضع القطاع الصناعي أمام أزمةٍ مركبة؛ تجسدت في تدمير منشآته ومعداته من جهة، وحرمانه من مقومات تشغيل ما سلم منها من جهة أخرى.

وحذّر شنيورة من أن استمرار حظر المواد الخام لا يتوقف عند تعطيل المصانع ذاتها، بل يمتد أثره ليتسبب في شلل قطاعات اقتصادية متصلة بها، تتضمن سلاسل التوريد والتعبئة والتغليف والنقل والتوزيع، فضلاً عن حرمانه آلاف العمال من فرص العمل ومصادر رزقهم.

وشدد أن بعث الحياة في المنشآت الصناعية المتضررة يقتضي حتماً توفير المواد الخام وقطع الغيار والآلات والمعدات الإنتاجية، جازمًا بأن أي مساعٍ لإعادة تأهيل المصانع ستظل عاجزة ومحدودة الأثر ما دامت القيود على المعابر تحول دون نفاذ مستلزمات التشغيل.