"ضم الأغوار".. كنزٌ استراتيجي لإسرائيل إن تحقق

حجم الخط
محمد منى – وكالة سند للأنباء:

"سيكون غور الأردن وهو أمر حاسم بالنسبة للأمن القومي لإسرائيل، تحت السيادة الإسرائيلية، وعلى الرغم من هذه السيادة، يجب على إسرائيل العمل مع الحكومة الفلسطينية، للتفاوض على اتفاق تستمر فيه المشاريع الزراعية القائمة التي يديرها الفلسطينيون، وذلك بموجب التراخيص أو عقود الإيجار التي تمنحها إسرائيل لهم".

هذا ما نص عليه الشق السياسي في صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الثامن والعشرين من شهر كانون ثاني الماضي، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتشكل هذه الصفقة أرضية لتحقيق الفكرة والحلم الإسرائيلي بضم الأغوار وفرض السيادة عليها.

ويعتبر بحسب كثير من المراقبين ما تضمنته الصفقة المعلنة ضرباً بالحائط لكل القرارات الدولية والاتفاقيات الثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي منذ انطلاق المفاوضات قبل نحو ثلاثين عاما.

أهمية استراتيجية

تنبع أهمية منطقة الأغوار التي تتمسك إسرائيل بالسيطرة عليها، كونها منطقة استراتيجية وحيوية، وذات أبعاد تفرض على المستويات السياسية والأمنية، والحرص على ضمها تحت السيادة الإسرائيلية.

المحلل العسكري واللواء المتقاعد واصف عريقات، أكد على أن دولة الاحتلال تحرص على سيطرتها الكاملة على منطقة الأغوار، كونها منطقة استراتيجية تتمتع بأهمية عسكرية وأمنية قابل للدفاع عنها.

وأوضح عريقات خلال حديث مع "وكالة سند للأنباء"، بأن إسرائيل لا تريد بأن تكون الحدود بيد غيرها، حتى تدافع عن نفسها ضد أي هجمات تأتيها من المنطقة الشرقية.

وبيّن بأن هناك حرصا إسرائيلياً على ضم الأغوار، وجعلها تشكل حزاما أمنيا تؤمن لها المناورة والمرونة والقدرة على الدفاع عن النفس.

وشدد على أن الرغبة الإسرائيلية تكمن كذلك في فصل الأراضي الفلسطينية عن الأردنية بشكل واضح، كي لا يكون هناك أي تواصل مباشر، او امتداد جغرافي او ديمغرافي للفلسطينيين.

وأشار الخبير العسكري إلى أن هناك كذلك أبعادا اقتصادية ودينية لا يمكن لإسرائيل إلا أن تفرض سيطرتها على الأغوار.

واستدرك حديثه: "إن المنطقة ستعيش في حالة عدم استقرار بحال أصرت إسرائيل على ضم الأغوار في ظل الرفض الفلسطيني، وكذلك الأردن التي لم تبرم أي اتفاقية مع إسرائيل حول حدودها بمنطقة الأغوار في الوقت الذي تم الاتفاق فيه على ترسيم حدود بمناطق أخرى".

فكرة قديمة

بدوره، قال المحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر، إنه وبعد احتلال الضفة الغربية، تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نظرية السياسي السابق، يغآل آلون، بشأن إبقاء السيطرة على شريط غور الأردن شرقي الضفة الغربية.

وأوضح أبو عامر لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الكثير من القيادات الإسرائيلية أكدت على أن غور الأردن سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية في أي حل مستقبلي مع الفلسطينيين، لأنه يعتبر الحدود الأمنية لدولة إسرائيل.

وذكر أن الإسرائيليين ينظرون إلى غور الأردن كونه حاجزا مهماً وعقبة جدية أمام التهديد القادم على إسرائيل من الجبهة الشرقية، وإن السيادة الإسرائيلية يجب أن تكون مفروضة وقائمة على جبهة الجولان، كما غور الأردن، بحيث تكون حدودا أمنية مستقبلية لإسرائيل.

ولفت إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هدفت إلى السيطرة على غور الأردن، باعتباره رصيداً استراتيجياً لإسرائيل، إذ إنه يشكل حاجزاً أمنياً أمام الحدود الشرقية، ويسمح للقوات الإسرائيلية، بتطويق السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ولفت المختص بالشأن الإسرائيلي، إلى أن الاحتفاظ بغور الأردن من وجهة نظر إسرائيل يأتي استكمالا للخطوط الإسرائيلية العامة في أي اتفاق سياسي مستقبلي مع الفلسطينيين، وأن بقاء غور الأردن تحت السيادة الإسرائيلية جزء من تحقيق قيام إسرائيل كدولة يهودية على حدود آمنة ودائمة.

وحول الاعتبارات الأخرى التي تأخذها إسرائيل في موقفها على السيطرة الكاملة على الأغوار، أجاب أبو عامر، بأن المنطقة تعتبر من أكثر المناطق خصوبة، ويعتبر قطاع الزراعة فيها من أهم القطاعات، من خلال إسهامها بــ 50% من المساحة المزروعة المعتمدة على الري في الضفة الغربية، وتستهلك 55% من إجمالي كمية المياه المستخدمة لأغراض الري، كما تنتج 60% من مجمل كمية الخضار التي تنتجها الضفة، و40% من محصول الحمضيات و100% من إنتاج الموز.

وبيّن بأن الأغوار تمتاز بطابع سياحي، نظراً لكثرة الآثار الموجودة، وطقسها الدافئ شتاء، مع توفر عيون المياه الطبيعية مثل عين العوجا وعين الديوك.

أرقام ومعطيات

بحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، فإن الأغوار تمتد من بيسان حتى صفد شمالاً، ومن عين جدي حتى النقب جنوباً، ومن منتصف نهر الأردن، حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غرباً.

وتبلغ مساحة الأغوار الفلسطينية في المنطقة التابعة للضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، نحو 2400 كيلومتر، وتعادل نحو 30% من إجمالي مساحة الضفة.

وللأغوار أهمية كبيرة، حيث إنها منطقة طبيعية دافئة، يمكن استغلالها للزراعة طوال العام، إضافة إلى خصوبة التربة، كما تتوفر فيها مصادر المياه، فهي تتربع فوق أهم حوض مائي في فلسطين، وهي فوق ذلك كله بوابة فلسطين الشرقية، وهذه الموارد ضرورية من أجل الدولة الفلسطينية المستقبلية.

وتعتبر الأغوار من المناطق المتميزة نسبياً بوفرة مواردها المائية، يوجد فيها 133 بئراً جوفياً، يستخدم غالبيتها الساحقة للأغراض الزراعية، وحفرت إسرائيل 35 بئراً بقدرة إنتاجية تقدر بـ40 مليون متر مكعب، وفرضت قيوداً على حفر أي آبار جديدة للفلسطينيين في المنطقة، وأغلقت الآبار الفلسطينية الواقعة في المناطق العسكرية.

وتمتاز هذه المنطقة بالكثافة السكانية القليلة، إذ يعيش فيها نحو 57 ألف فلسطيني، بما في ذلك سكان مدينة أريحا (المدينة الوحيدة في الأغوار)، بحسب بيانات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني في عام 2017، وهو ما نسبته 2% من مجموع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وفي المقابل، يعيش هناك نحو 11 ألف مستوطن، موزعين على 31 مستوطنة تعرف بـ "المستوطنات الزراعية" لتركيزها على أعمال الزراعة، والتهمت هذه المستوطنات نحو 27 ألف دونم من أراضي الأغوار.

وتشهد الأغوار عمليات هدم متواصلة ومتكررة من قبل سلطات الاحتلال لتجمعات سكانية فلسطينية بشكل كلي وجزئي، بهدف تهجير المواطنين وتشريدهم لتسهيل عمليات السيطرة على أراضي الأغوار بعد تطهيرها عرقياً.

 وتتعرض العديد من التجمعات السكانية لعمليات أخلاء متكررة بحجة التدريبات العسكرية وما يرافق ذلك من عمليات تدمير ومصادرة لممتلكات المواطنين.