"انتصار" .. فتاة غزية تجابه اندثار اللغة بحديثها "الفصحى"

حجم الخط
انتصار البطش
غزة - وكالة سند للأنباء

"هيا بنا إلى يثرب"

"أأنتِ من الجاهلية؟"

"هل أنتِ غير عربية؟"

أسئلة كثيرة تلك التي تحيط بالشابة انتصار البطش (22 عاماً) من مدينة غزة، فلا تدعها تلتقط أنفاسها حتى يداهمها استفسارٌ هنا، وانتقاد وسخرية هناك، لأنها اختارت أن تسلك غير ذلك التيار الذي اعتاده المجتمع في حديثه.

انتصار واللغة العربية جمعتهما علاقة حب وطيدة، منذ أن كانت في المرحلة الإعدادية، حيث تفتحت على ربيع اللغة ومعانيها الجميلة حينما كتب القدر عليها أن تتلمذ علي يد معلمة اللغة العربية "وردة عبد العال".

قرار جريء

تلك المرحلة رسمت لانتصار ملامح دربها الذي قررت السير فيه، بعد أن تشربت اللغة العربية واتخذت منها رفيقاً في كل أحوالها وتفاصيل حياتها، لتتخذ قراراً جريئاً بالتحدث باللغة العربية الفصحي بشكل كامل في حياتها.

تحدث معلمتها بشكل دائم باللغة العربية الفصحي، منحها النور للدخول والمغامرة في هذا الدرب، الذي واجهت منذ أول يوم فيه سخرية كبيرة لم تتوقف، وحتى هذه اللحظة، وبعد مرور عشر سنوات.

والد انتصار كان محفزاً لتشجيعها على حب اللغة العربية منذ نعومة أظفارها، حينما كان يقدم لها الهدايا من الكتب والروايات والقصص، والتي كان لها فضل كبير في تطوير اللغة لدى انتصار بعد القرءان الكريم وكتاب رياض الصالحين.

في بادئ الأمر كانت انتصار تشعر بانكسار كبير في قلبها لكثرة التعليقات والهمز واللمز المتواصل حولها، وكثيراً ما فكرت بالعدول عن هذه الطريق إلا دعم الأهل لها كان الأمل الذي تواصل المقاومة فيه.

إصرارٌ على الاستمرار

بعد دخولها الجامعة التحقت بتخصص التربية الأساسية لتحقيق رغبة والديها، إلا أنه بعد انتهاء الفصل الأول لم تشعر انتصار بأن مكانها في هذا المجال، وهي اللي تحلم في دراسة الإعلام، لتقرر تغيير القسم.

ذهبت انتصار إلى رئيس أحد الأقسام لتسأله عن آلية التحويل إلى تخصص آخر، لينصحها بعدم الانتقال للإعلام لأنه وسط لا يلائمها وأنها ستكون محط سخرية ولن تنجح في ذلك، وسيشعر الجميع بأنها من الجاهلية.

لم ينجح ذاك المدير في تغيير قرار انتصار، لتخبره بأنه تريد دخول هذا المعترك وستتحمل كل عواقبه، وأنها ستنجح، وستكون ما أرادات، طالما هي تسير في طريقها دون أن تسبب لأحد أي أذى.

في أول فصل دراسي، تقول انتصار لـ"وكالة سند للأنباء": " لقد شعرت وكأني كائن غريب، الكل يستهزأ ويسخر، لكني كنت طموحة ومجتهدة، ما دفع الجميع بعد ذلك لمصادقتي بل والتحدث معي باللغة الفصحى سواء بإرادتهم أو غير إرادتهم".

صعوبات كثيرة

بعد مضي أعوام كثيرة، تشعر انتصار بأن حققت انجازا كبيرا في هذا الحلم الذي بدأته وهي صغيرة، فقد اتسعت رقعة علاقاتها مع الناس، وأصبحت تترك أثرا واضحاً في كل من عرفها وتحدث إليها، أو تابعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

الصعوبات الكثيرة التي مرت فيها انتصار، لم تكن لتجتازها بسهولة إلا بعد التحاقها العديد من البرامج التدريبية من إدارة الذات والثقة بالنفس، والتنمر وغيرها الكثير، لتعزز عندها مستوى قبول الآخرين وكيفية التعامل معهم بشكل أسهل.

وعن بعض المواقف التي لازالت تمر فيها انتصار خلال حياتها اليومية تضيف:" كلما أركب أحد السيارات، تتملك الدهشة السائق حينما أتحدث الفصحى، في بادئ الأمر يعتقد أني لست غزية، لكن بعد توضيح الأمر منهم من يتقبل الأمر، وآخر يسخر".

وتوضح أنها حينما تقرر الذهاب إلى السوق، يضحك البائعون عليها بشدة، حينما تتحدث معهم، لكن بعد استمراري في الحديث، بدأ يتقبلون ذلك بل ويتحدثون بذات اللغة معها.

عودة للغة الأم

وتشير انتصار إلى أن هدفها من الحديث باللغة العربية الفصحى ليس تغير العالم ولا قطاع غزة، كل ما ترغبه هو نشر الفكرة بأوسع شكل، ودفع الناس لاستخدامها على الأقل في مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتابع:" لقد أصبحت اللغة العربية ركيكة جداً من قلة استخدامها، ولا أدري لماذا لا نستخدمها وهي لغتنا وتعبر عن هويتنا، لماذا نخجل من فعل ذلك".

ليس من الضروري أن يتحدث الجميع اللغة العربية الفصحى بشكل كامل، لكن علينا أن لا نتركها للنسيان، وأن نحاول استخدامها تدريجيا حتى تصبح جزءا منا لا يتجزأ – كما تقول البطش_.

لم تصبح انتصار ماهرة جداً في اللغة العربية، ولا زالت تقع في العديد من الأخطاء اللغوية، لكنها تحاول دائما التطوير من لغتها بمساعدة معارفها والعودة إلى معاجم اللغة.

مشوار طويل سلكته انتصار خلال كل تلك الأعوام، لم يسلب اليأس همتها، لتواصل بروح مثابرة تحمل هم نشر لغتها الأم أينما ذهبت، حتى أصبحت رقما فريداً ومميزاً في مجتمعها.