"نتنفس هواء الجنّة"

بالفيديو والصور "مطبخ السعادة".. نافذته تطّل على المسجد الأقصى

حجم الخط
IMG-20200513-WA0064.jpg
القدس - وكالة سند للأنباء

تخيّل.. أن سيدة كلما راحت إلى مطبخها لتُعبئ "كوبًا من الماء، أو تناولت طبقًا أو رشت مِلحًا، أو غسلت يديها، أو سقت وردتها تطّل على قبّة الصخرة وباحات المسجد الأقصى المبارك؟"، وبنظرةٍ واحدة عند ساعات الفجر الأولى من نافذة مطبخها الضيّق على فسحة وسِعة "الأقصى" الكبيرة الخالي إلا من الحمام الذي يطير في سمائه، تعرف أن جمال الدنيا كُله اخُتزل بهذا المشهد.

إطلالة من أجمل الإطلالات على قبة الصخرة الذهبية في المسجد الأقصى، من مطبخ عائلة "أبو نجمة" في البلدة القديمة بمدينة القدس.

مريم أبو نجمة مرابطة مقدسية، تعيش مع عائلتها في منزلٍ صغير مُلاصق للمسجد الأقصى المبارك، تطّل فيه نافذة مطبخها على باحات "الأقصى" وقبته الذهبية المشرفة، تستهل حديثها: "بيتنا ملاصق لباب المطهرة، ولا يفصلنا عن المسجد إلا خطوات معدودة".

وتحظى عائلة "أبو نجمة" بهذه الإطلالة الساحرة منذ عام 1967، حيث كان ربّ الأسرى ناجي أبو نجمة، معروف بـ "أحد حراس المسجد الأقصى والمدافعين عنه"، استأجره من دائرة الأوقاف الإسلامية، وسُجن بعدها وتُوفي، وظّل هذا المنزل إرث غالٍ حافظ عليه الأبناء من بعده.

وتقول مريم" لـ "وكالة سند للأنباء": "منزلنا لا تتجاوز مساحته بضع أمتار، يتكون من غرفتين صغيرتين فقط، ورغم الضغوطات التي نتعرض لها وضيق الحال، إلا أنك عندما تسمع صوت آذان الأقصى يتردد صداه في بيتك، وتطّل فجرًا من النافذة على باحاته الفارغة إلا من الحمام الذي يطير في سمائه، تسكنك الطمأنينة، وتُزال همومك".

ويتردد إلى بيت "أبو نجمة"، خلال شهر رمضان خاصة في أيام الاعتكاف، النساء للوضوء والصلاة فيه، عندما يزدحم المسجد ومرافقه بالمصلين، تُردف: "نُحضر لهم الطعام، والمشروبات، نحظي بشرف رعاية زوار الأقصى الذي هو بمثابتة بيتنا الأول".

تتدفق الذكريات إليها فتسردها لنا: "قبل إغلاق المسجد الأقصى، كنّا نُصلى الفجر، وأخرج أنا وصديقاتي لإطعام حمام الأقصى واللعب معه مع نسمات هواء الفجر، حينها تُصبح عيناك عامرة بالدموع من روعة هذا المشهد الفريد".

وتداوم "مريم" على الصلاة في المسجد الأقصى، لكنّ لتعذر الصلاة فيه خلال شهر رمضان هذا العام، تُرابط إلى جانب جاراتها على أبوابه، يُصلين التروايح هناك، يتسامرن بعدها إلى ساعاتٍ متأخرة، يتبادلن أطراف الحديث، يستمتعن بأوقات، الكثير من الفلسطينيين محرومين منها، تُكمل: "هذا أقصانا وليس أقصاهم.. ونُمارس أوقاتنا فيه كحق لا أحد يستطيع سلبه منّا".

IMG-20200513-WA0013.jpg

زاد حديثنا مع عائلة "أبو نجمة" متعة عندما تردد صوت آذان الظهر من مؤذن المسجد الأقصى في أرجاء بيتها، فسمعِناه مباشرةً، تخرج الضحكة من عيون "مريم" وهي تُعلق: "سمعتِ.. هل تخيلت كم هو قريب علينا؟ وهل يوجد وصف أقرب من أننا نتنفس من هواء الجنّة؟".

هي لم تعتاد هذا المشهد الساحر، وتؤكد أنه مهما مر بهم الزمن، سيظّل يعتريهم شعور من يرى الأشياء لأول مرة: "أراه كلما أردت، وكلما اجتاحني الهمّ، في ذهابي وعند الإياب، وعندما أرى دموع الزائرين والمصلين.. أبكى معهم، أفرح مثلهم، وأعيش شعورهم".

IMG-20200513-WA0012.jpg
 

"3 مليون دولار.. ثم شيك مفتوح" هذا مبلغ عُرض على عائلة "أبو نجمة" مقابل التنازل عن منزلهم الصغير، لكنّ العائلة تعد هذا البيت الذي تشترك جدرانه مع جدار "الأقصى" هو بمثابة نقطة رابطٍ حقيقة وإرثٍ والدهم الذي ولو بـ "أموال الدنيا كلها" لا يتنازلون عن شبرٍ منه.

"الإغراء المادي" مقابل تنازل المقدسيين عن منازلهم، هو واحد من عدّة منغصات يُمارسها الاحتلال بهدف التضييق وشد الخناق عليهم، فكاميرات المراقبة تُحاصر أبسط تحركاتهم، كما يتعرضون لتفتيش مشترياتهم وحاجياتهم عند عبورهم إلى بيوتهم عبر أبواب المسجد.

"ماذا تقولين في ختِام الحوار؟" تُجيبني بصوتٍ يملؤه الطمأنينة: "اختارنا الله لنسكن قطعة من جنته في الأرض، الأقصى بيتنا الأول.. سنظّل مرابطين على أبوابه لو أغلقت كل الطرق المؤدية إليه".

IMG-20200513-WA0071.jpg