بالصور "هنادي" ذات ليلة فقدت بصرها ... فماذا صنعت؟

حجم الخط
89813111_545545382751561_7181626038391144448_n.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

صوت أمها يعلو وهي تطهو الطعام، تقرأ على مسمع هنادي الكثير من الأوراق العلمية والأبحاث والملخصات، وتنصت هنادي إلى والدتها باهتمام شديد، تنتقي من العبارات ما تحتاجه لإكمال واجباتها من أجل إجتياز مرحلة الماجستير الملتحقة بها.

للوهلة الأولى يتساءل القارئ عن السبب، تلك الجهود المضنية تبذلها والدة هنادي بحب وتفانٍ منقطع النظير، لأجل ألا تشعر ابنتها وفلذة كبدها بأي نقصٍ أو احتياج ما.

كابوس مُرْ

في ليلة ما، كان الأمر أشبه بكابوس يحل على حياة الشابة هنادي رضوان (٢٦ عاما) من مدينة غزة، حينما استيقظت من نومها بكل همة وحب، تبتغي إعداد الفطور والتجهيز ليوم حافل، لكن كل ذلك لم يحدث!

تناثر الهدوء والاستقرار في قلب هنادي، حين فتحت عينيها، لتتلقى أكبر صدمة في حياتها، حينما لم تر شيئاً سوى سواد يغطي عينيها، لربما حلم، كررت فتح عينيها، لكن دون جدوى،  لم يكن حلماً، إنها الحقيقة المرة، فقدت البصر!

هرعت مسرعةً لوالدها، اشتكت له الألم، وانطلق راكضاً بها لطبيب العيون، وبتلك اللحظة تماماً فقدت هنادي الرؤية بشكل كامل، ليخبرها الطبيب بأن انفصالا في شبكية العين قد حدث.

وعن تلك اللحظة الصعبة تقول رضوان لـ"وكالة سند للأنباء": " لقد كان الأمر بمثابة صفعة قاسية تلقيتها وعائلتي، ثقيلاً على نفسي، خيم الحزن علينا جميعاً، لكن قوة من الله داهمت روحي، سرعان ما لملمت شتات نفسي، وأخبرت الجميع أنني راضية بما كتب الله لي، وسأعود لممارسة حياتي كما كنتُ سابقاً، فلا تحزنوا من أجلي".

بعد الحادثة الأليمة، قررت هنادي تأجيل فصلها الدراسي الجامعي لانشغالها في العلاج والتنقل بين الأطباء، لكن جميع المحاولات لم تنجح، ما دفع هنادي لزيادة الإيمان بالتأقلم مع واقع قُدر لها.

عودةٌ للحياة

بعد فترة من الوقت عادت هنادي لاستكمال دراستها الجامعية، لكن كل ما سبق من تفاصيل الحياة قد تغيرت، فلا وجوه ستراها كما كانت سابقاً، ولا الطرق التي حفظتها عن ظهر قلب ستكون يسيرة عليها، كل شيء تغير إلا قلب هنادي الذي امتلأ بالرضا أكثر.

نصائح كثيرة تلك التي انهالت على هنادي من أجل تغير تخصصها الجامعي في الخدمة الاجتماعية، نظراً لميدانية العمل فيه وكثرة اللقاءات، لكن ذلك لم يوهن من عزم هنادي، ولم يجد في روحها صدى على الإطلاق، وهي التي لطالما أحبت تخصصها بعمق.

وتضيف هنادي لـ"وكالة سند للأنباء" أنه مع كل انتقاد أسمعه وكأن الله يبث في قلبي عزيمة على السير في ذات الطريق أكثر، مضيت في دربي رغم اعتراض أساتذتي في البداية، إلا أنني لم أكلّ أو أيأس، وبالفعل نجحت.

لم يكن الأمر هيناً بالنسبة لهنادي، فالكثير من المواقف التي مرت بها، عاث في قلبها الألم، لكنه لم يتركها تستسلم.

وتروي هنادي بعضاً من المواقف التي آذتها، حينما عادت لمنزلها ووجها ملطخ بالدم، طرقت باب منزلها، فُتح الباب وفتحت معها جراحها، بكت كثيراً وكأنها للتو فقدت بصرها، بعد أن عادت من جامعتها، وبطارية هاتفها المحمول قد نفذت، ولم تستطع حينها الوصول لأي أحدٍ من عائلتها لمساعدتها في الوصول للمنزل.

بقيت هنادي آنذاك صريعة الوقت والألم والتيه، تتحسس معالم الطريق التي بدت موحشة وطويلة جدا، وهي التي كانت أيسر الطرق وأكثرها أُنسا حينما كانت ترى، لتصطدم بحائط في وجهها، خدش قلبها قبل أن يخدش وجهها ويسيل الدم.

كان ذلك الموقف صعبا للغاية، تمنيت لو أن تبتلعني الطريق، وأن يختفي المارة، وأن أبدو غير مرئية في تلك اللحظة، تكالبت مشاعر الإحراج والألم معاً_ كما تصف هنادي_.

تفاصيل الحياة الجامعية، كذلك لم تكن يسيرة، تأخذ وقتاً طويلا من والدتها التي توصلها لباص مختص لذوي الاحتياجات الخاصة، وإن غادر تضطر لإيصالها للجامعة، عدا عن حاجتها لزميلاتها اللواتي يسجلن لها جميع المحاضرات ويساعدنها في التنقل بين أنحاء الجامعة لقضاء أمورها الجامعية.

وتوضح أنها حاولت الالتحاق كثيرا من أجل تعلم طريقة " برايل" للمكفوفين، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل قائلة: "كلما أردت كتابة شيء بطريقة برايل تداهمني اللغة العربية التي اعتدت عليها وأنا مبصرة، فأفشل، إنه أمر صعب للغاية أن تحاول مسح سنوات طويلة تعلمت فيها اللغة وأنا مبصرة".

104410758_737826223645291_3102266204409061227_n.jpg
 

الصديقة الأوفى

والدة هنادي كانت الصديقة الأوفى على الإطلاق منذ اللحظة الأولى التي ابتليت فيها هنادي بفقد بصرها، حينما قررت والدتها أن تكون عين ابنتها ويدها التي تكافح في هذه الحياة، وكثيرا ما كانت ترافق هنادي في الجامعة، تساعدها في إنجاز أبحاثها، تجمع الكتب، وفي الليل تقضي وقتها لتسمع لابنتها المحاضرات المسجلة، وتناقش معها الكثير من الواجبات الدراسية.

من يستمع لحديث هنادي يبصر الأمل جلياً في روحها، ويستشعر التحدي في كل طموحاتها، فتوضح لـ"وكالة سند للأنباء" أن من يريد النجاح، لا يجب أن يعلق فشله على الواقع والظروف الصعبة، فكل إنسان بإيمانه يحدث تغييرا كبيرا في حياته ويحقق المستحيل.

بعد اجتياز هنادي درجة البكالوريس بمعدل "ممتاز"، تكمل اليوم جميع المساقات اللازمة من أجل إنهاء درجة الماجستير في الصحة النفسية والمجتمعية، وهمة أمها ورفيقة نجاحاتها لا تكل من تمهيد كل صعب من أجل أن تحقق ابنتها كل ما ترنو إليه من طموح.

همة هنادي حاضرة في كل نشاط تطوعي تلتحق فيه وهي التي تقول دائما "ولدت والنشاط يسرى في دمي، أنا لم أكن أستطيع الركون قبل أن أفقد بصري، وبعد أن فقدته امتلأت بالهمة والنشاط والسعي لخدمة الآخرين بشكل أكبر".

بعد فترة قصيرة ستحقق هنادي حلمها وتلبس رداء التخرج من قسم الماجستير، لكن حلماً لا زال منقوصاً في أن تخرج هنادي خارج قطاع غزة لإتمام علاجها في زراعة شبكية عين، لترى ألوان الحياة من جديد.

89854867_204120420898745_4572893779320635392_n.jpg