بالصور في عصر التكنولوجيا .. الكتب حبيسة الرفوف

حجم الخط
الخليل _ نزار الفالوجي

بينما تمتلأ أرفف المكاتب بالكتب، قلت تلك الأيدي التي اعتادت على احتضانها، وخفتَ معها رغبة الاقتناء التي كانت تمنح الكتاب عمراً فوق عمره حين يُقتنى.

وفي ثورة تكنولوجية غيرت الكثير من معالم الحياة، كان لها تأثيراً واضحاً على المثقفون في كل مكان، فتراجع الإقبال على الكتاب وكذلك انتاجه.

ومع تراجع الحركة الثقافية في فلسطين، باتت دور النشر ومراكز الأبحاث والدراسات تندب حظها لعدم الإقبال عليها وعدم الاكتراث والثقة بما هو جديد من منشورات ومطبوعات وإصدارات.

تدني المستوى الثقافي

تعزي مديرة مديرية وزارة الثقافة الفلسطينية بالخليل هدى عابدين قلة الإقبال إلى تدنى المستوى الثقافي ابتداء، بحيث باتت المنشورات والإصدارات في مستوى لا يليق بالوعي المتقدم للجماهير، وخاصة في الشارع الفلسطيني الذي يعيش صراعا مع الاحتلال منذ نحو مائة عام.

وتوضح عابدين لـ"وكالة سند للأنباء" أن التراجع كذلك بسبب الثورة التكنولوجية وما نشأ عنها من وسائل اتصال وشبكات تواصل اجتماعي ومحركات البحث وكتب الكترونية ومواقع معلومات، ما أدى للعزوف عن الكتاب وقلة الاهتمام به واقتنائه.

وتبين أن انخفاض مستوى الدخل الفلسطيني مع ارتفاع أسعار الورق عالمياً والطباعة، ساهم في زيادة سعر الكتاب، ما صعّب من الرغبة في شراءه بسهولة، وقلل من الإقبال على شراء الكتب والإصدارات الجديدة.

هدى عابدين.jpg
الكتاب الالكتروني

وتنوه إلى أن الكتاب يصارع في الساحة وحيداً دون أن ينتصر له أحدا في ظل الانكباب على وسائل الاتصال الحديثة التي مكنت من سهولة البحث عن الكتاب والوصول إليه بسرعة، دون تكلفة، خاصة بعد بروز تقنية الكتاب الالكتروني.

وتقول عابدين: " لقد ساهم الكتاب في تعبئة الجماهير وتفعيلها تجاه الاحتلال ومقاومته قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م ، أما بعد الاتفاقيات فقد خبت روح التعبئة الفكرية والثقافية والنفسية، خاصة بعد تساقط الكثير من النخب والكتاب بمستنقعات التطبيع مع الاحتلال".

قبل 90 عاماً، تأسست مكتبة دنديس في مدينة الخليل، والتي تعد من أقدم وأكبر المكتبات في فلسطين المهتمة بالكتاب، أسسها المرحوم نمر دنديس عام 1936م، وتزخر بجميع أنواع الكتب الدينية والعلمية والأدبية والسياسية، وهي التي تزود غالبية المكتبات في فلسطين التاريخية بالكتب.

مدير المكتبة سليم شاور والذي يعمل فيها منذ 22 عاما متواصلة يشعر بأن سوق الكتاب بدأ يتراجع، وأنه لم يعد من أولويات المثقف والمتعلم .

تدني الدخل

 ويشير شاور لـ"وكالة سند للأنباء" أن الثورة التقنية التكنولوجية أثرت على سوق الكتاب حيث بدا ذلك واضحا بعد عام 2010م.

ويوضح أن الإقبال على الكتاب وشرائه في الضفة الغربية وقطاع غزة، شهد تراجعاً، بسبب تدني الدخل وارتفاع نسب الفقر والبطالة، خاصة أن أسعار الكتب مرتفعة وباهظة.

ويقدّر شاور أن نسبة المبيعات من مجموع البيع العام للأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع لا تزيد عن 20% من إجمالي البيع العام.

ويؤكد في الوقت نفسه أن 80% من نسبة مبيعات الكتب تذهب للفلسطينيين في أراضي الداخل المحتل عام 1948م وخاصة الكتب الدينية ، حيث تشهد المنطقة صحوة إسلامية، إضافة إلى ارتفاع مستوى الدخل.

ويبين شاور أن المكتبات الخاصة والعامة وكذلك الجامعات والمعاهد في حيفا ويافا والناصرة وعكا تتزود بكتبها من الخليل، وتعطي اهتماما للكتاب، لكن في الوقت نفسه ومقارنة مع الحقب الماضية فإن نسبة الإقبال والاهتمام بالكتاب أقل بكثير.

ويوضح أن الوضع السياسي الخاص في فلسطين أثر سلبا بالإقبال على الكتاب،  فقد تراجع بيع الكتاب ما بين الأعوام 2000م حتى 2010م بسبب الانتفاضات والأحداث السياسية والعسكرية والمواجهات مع الاحتلال.

104696599_274079860679843_4577534758927996332_n.jpg

 

الكتاب الفلسطيني 5.jpg


عاشق الكتاب

لكن الكتاب والمفكرين في فلسطين لهم نظرة أخرى حول أزمة الكتاب الفلسطيني وأسبابها وأبعادها، فعاشق الكتاب كما يسميه أقرانه د. جواد بحر النتشه (62 عاماً) من الخليل قارئ من الدرجة الأولى.

ويقرأ النتشة يومياً من 8-10 ساعات، وتصل أحيانا إلى 14 ساعة، فهو مصاحب للكتاب في البيت والعمل وبالسيارة وفي الشارع.

ويقول لـ"وكالة سند للأنباء" إنه يشعر بقمة الراحة والسعادة حين يجالس الكتاب.

ويعد النتشة، باحث ومؤلف كتب ولعديد من الدراسات، حيث يملك أكبر مكتبة خاصة في محافظة الخليل، وتضم نحو 6000 كتاب.

ويبين النتشة أنه بلا شك يعيش الكتاب أزمة تراجع في الإقبال عليه بالعالم العربي والإسلامي، وربما الدولي، لكن فلسطين لها خصوصية تختلف عن غيرها في أسباب التراجع.

الدكتور جواد بحر النتشة.jpg
الكاتب الدكتور جواد بحر النتشة.jpg

ضريبة الرباط

ويضيف : "كون فلسطين أرض رباط، فإن ذلك يشغل المرابط فيها عن الجوانب الحضارية والثقافية ، فهمه الأكبر الدفاع عنها، ودحر العدوان الذي لم ينفك عنها على مر العصور، لذلك تتقدم عزيمة الرباط نحو المواجهة وتتراجع الأدوات الحضارية والثقافية" .

ويبين النتشة أن فلسطين عبر التاريخ فقيرة بالعلماء وأصحاب المداد والكتب مقارنة مع غيرها من البلاد العربية، كالشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا والأندلس والدول الإسلامية الأخرى.

 ويعلل ذلك أنه لا وقت لدى رجالاتها في الانشغال بالكتابة ومراجعتها، فهمهم الأكبر تحرير الأرض، وهذا شغلهم الأكبر، وكانوا يعتبرونه مقدما على العلم والحضارة والثقافة، خاصة أن فلسطين احتلتها جيوش وممالك وامبراطوريات متعددة .

 ويرى النتشة أن هذا التراجع للكتاب في فلسطين تاريخيا ليس مقيتا وإنما محمودا، فهو تراجع طبيعي، واستجابة طبيعية لحالة الصراع القائمة والمستمرة عبر العصور حتى يومنا هذا.

ويصف النتشة الحالة النفسية للشعب المحتل قائلا: "من يعيش الكبت والألم والحصار والاحتلال تندفع نزواته بعنفوان نحو صد العدوان ودحره ومواجهته بنفسه وماله وأبناءه".

ويضيف لـ"وكالة سند للأنباء": "فلا متسع للقراءة والثقافة والحضارة وتوصيف واقع الصراع كتابة، لأن الاحتلال بالنسبة له هو الهم الأكبر، ويشكل في أعماق الإنسان الفلسطيني نفسية جديدة من نوع آخر، تسمو على نفسية ونظرات الكاتب والمؤلف".

ويقول: "لذلك تجد الفلسطيني دوماً وعبر التاريخ متعلقا بالسنان أكثر من تعلقه بالقرطاس، ومع ذلك صنع حضارة وتاريخا وأمجادا".