الأطباء و"كورونا".. تفاصيل الحرب الخفيّة

حجم الخط
118600712_377436930324095_7505739446158614322_n.jpg
غزة – وكالة سند للأنباء:

في منازلنا، على أسرّتنا، أمام هواتفنا، نُمضي أوقات الحجر الصحي التي فرضت علينا، ونحن نتأفف كثيراً، نتسامر، نأكل دون أقنعة وأحجبة وألبسة يجب ارتداؤها، لكن هناك من يُكافح لالتقاط نفسه، لسرقة لحظةٍ يريح جسده فيها، للحظةٍ حب يحتضن بها أطفاله دون حواجز.

معاناة، وتفاصيل مليئة بالتعب، يعيشها أبناء الطاقم الصحي في قطاع غزة، بعد إعلان الحومة الفلسطينية انتشار فايروس كورونا وفرض الحجر على جميع المناطق، في ظل استمرار الكشف عن وجود إصابات في معظم مناطق القطاع.

إنكار المرضى

طبيب الطوارئ في المستشفى الإندونيسي بشمال قطاع غزة أمير عوض يروي لـ "وكالة سند للأنباء"، معاناته مع وباء كورونا والذي تبدأ من اللحظة الأولى للاشتباه بالمرضى بإصابتهم بفيروس "كورونا" والتي تتمثل في إنكار أغلب المرضى وذويهم لإصابتهم، لتبدأ رحلة إقناعهم بضرورة عزل المريض في المستشفى لحين ظهور نتائج الفحص، وحجر عائلته منزليا.

في رحلة إقناع المريض باحتمالية إصابته بفيروس "كورونا"، نجد أن العديد من المرضى ومرافقيهم يتنمروا على الأطباء والطاقم الطبي، ولا يقدروا حجم المخاطرة التي يتكبدها هذا الطاقم من أجل حمايتهم والحفاظ على سلامتهم، كما يقول الطبيب عوض.

ويبيّن أن الأطباء يعيشون في رعب دائم، فالطبيب يذهب إلى العمل وهو يتوقع أن يصاب بالعدوى، الأمر الذي يجعله في قلق دائم خشية من أن يصاب بالعدوى ومن ثم ينقلها لعائلته عند عودته لمنزله.

ويقول الطبيب عوض في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" إنه عند الإعلان عن وجود إصابات بفيروس "كورونا" داخل المجتمع، كنت قد تعاملت بشكل مباشر مع أحد الحالات التي ظهرت نتيجتها إيجابية، عندها رفضت العودة إلى المنزل لمدة ثلاثة أيام خشية أن أكون أصبت بالعدوى ومن ثم أنقلها لعائلتي.

الخشية من العدوى

ويضيف: بعد عودتي إلى المنزل عزلت نفسي في غرفة داخل المنزل لمدة 10 أيام دون أن أخالط أي أحد من عائلتي، خشية أن أكون حامل للعدوى وأنقلها لهم.

وعن أسوء ما يمر به الطبيب خلال وباء كورونا، يقول الطبيب عوض، إن أسوء ما تواجهه أن يصاب زميلك في نفس المناوبة، وتصله نتيجة فحصه "إيجابية" أثناء دوامك برفقته.

ويتابع: الطاقم الطبي المناوب أصيب بصدمة لحظة إعلان زميلهم إصابته بفيروس "كورونا"، وتجهمت وجوههم وغشيتهم حالة من الرعب نظراً لأنهم مخالطوه بدرجة أساسية.

وأوضح أن أبرز العقبات التي يواجهها الأطباء تتمثل في ثلاثة أشياء، وعي المواطنين المحدود، خوف الطاقم الطبي من انتقال العدوى له، وقلة الإمكانيات الطبية المتوفرة في المستشفيات.

معاناة أخرى، يراها عوض في ملابس الحماية التي يرتديها الأطباء لوقايتهم من انتقال عدوى فايروس كورونا لهم، كونها مصنوعة من النايلون، وفي ظل حرارة الصيف المرتفعة فإنها تصبح أمراً صعباً للغاية، وتحملها أمراً لا يُطاق.

فيما تبدلت حياة عبد الله الضعيفي والذي يعمل ممرضاً في قسم الحضانة لدى مستشفى النصر بشكل كلي بعد الإعلان عن تفشي وباء كورونا في قطاع غزة.

ومنذ اللحظة الأولى التي أعلن عن ظهور المرض، واكتشاف لحالات مصابة بكورونا تغيرت التفاصيل ونظام الحياة على عبد الله، فرّغ بيته من زوجته وأبناءه، خشية من إصابته ونقل العدوى لهم رغم الانتباه الشديد.

ويقول الضعيفي في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أنه منذ بداية الأزمة لم يلتق أطفاله وزوجته، وكذلك الكثير من زملائه الذين عزلوا أنفسهم في غرفة بعيدة عن عوائلهم وأبنائهم، كما وأنهم يمكثون معظم الأيام في المستشفى التي لم يعرف حتى اللحظة فيها مصدر العدوى التي لا زالت تنتشر بين الأطباء والممرضين.

عبد الله يلق التحية على والديه اللذين يقطنان فوق شقته من بعيد، يطمئن عليهم دون الصعود إليهم أو الجلوس معهم أو مخالطتهم، تجنبا لإصابتهم.

ويبين عبد الله أن خمسة من الطاقم الذي يعمل فيه أصيبوا بكورونا، وتم أخذهم للحجر، وبقي مكانهم شاغرا، ما اضطرهم لملأ تلك الشواغر كي لا يتوقف العمل في قسم الحضانة ويتم إغلاقه بشكل كامل، فيحتم عليهم العمل طيلة الوقت دون راحة.

ويضيف: "كل شيء تغير بعد كورونا، الأمر أصبح كابوساً يلاحقنا، نحضر طعامنا بأنفسنا، طوال الوقت نرابط على صنابير المياه والمعقمات ونجلس فرادي وبعيدون عن بعضنا البعض".

ويلفت إلى أنهم يستمرون في الدوام لساعات طويلة، ولأيام، وطيلة الوقت يُخصص كل من أفراد الطاقم الصحي كرسي للجلوس عليه، ولا يمكنه الجلوس في أي مكان سواه، ويأخذه حين الانتقال من مكان لمكان.

ويتابع: "في معظم الليال يضطر الجميع للمبيت على الكرسي من شدة التعب والإرهاق".

أما عن الملابس التي يتم ارتداءها فهي بمثابة شعلة من الحرارة، يرتديها الطبيب لكنها تخنقه من شدة الحرارة طيلة الساعات التي يستمر في عملها به، إضافة للكمامة التي يجب أن تبدل كل بضع ساعات إلا أنه يتم العمل فيها منذ بداية العمل وحتى انتهاءه.

خشية الإصابة أيضا تلاحق عبد الله في كل لحظة، في ظل اكتشاف المزيد من الحالات بشكل يومي، الأمر الذي يصعب من اجتماعه بعائلته ليعود إلى منزله وحيدا كل يوم.

ويذكر الضعيفي أن المعاناة لا تتوقف عن العمل، بل في ظل الحجر تصبح المواصلات أمراً صعباً للغاية، والأغلب يأتي للمستشفى سيراً، وآخرون يركبون نصف الطريق ويكملون الباقي سيراً على الأرقام.

وينصح عبد الله جميع الأهالي بالالتزام بتعليمات وزارة الصحة الفلسطينية وعدم الاستهانة بالأمر، وأخذ الاحتياطات اللازمة من أجل تقليل عدد الإصابات قدر الإمكان.

ومنذ مارس الماضي وصل أعداد المصابين بفايروس "كورونا" في قطاع غزة 1719، فيما وصلت الحالات النشطة حالياً 1550، في حين وصلت أعداد الوفيات إلى 13.