تقرير هبة .. محامية مقدسية برتبة "شيف"

حجم الخط
هبة الجيطان
رام الله - سند

هل تذوقت يومًا طَعم أكلةٍ من صورة ما؟ أو عشت شعور العبارة التي تقول" الطعام يدخل من خلال العيون أولا؟"، بلا شك الطبق الذي يبدو شهيًا، يولد لدينا رغبة في تذوقه، والبحث عن مقادريه لإعداده _إن كنت من مُحبي الطبخ_.

في مطبخ هبة الجيطان، ستمكث طويلًا، وتبتلع ريقك، ستشّم رائحة المستكة الفوّاحة من المعمول، وتتذوق بعينيك المدلوقة بالقشطة المزينة بحبّات اللوز المتناثرة والفستق الحلبي، آهٍ من مذاق كيكة الزعتر المالحة بجبنة العكّاوي، مع كأس شاي ساخن بالنعناع تطير رائحته بالأجواء، وآهٍ من قدحة الصونبر بالسمن البلدي وهي تنساب على طبق حمص في فطور شعبي.

ويا لمذاق كبسة الجمبري (الروبيان)، عليها شرائح الليمون وحبّات اللوز والصنوبر والزبيب، التي تزيد من شهيّة الطبق وجماله، ويا لذة المقلوبة الفلسطينية مع طبق سلطة شفاف تتعانق فيه الخضروات، كما لو أن عينيك لم تتذوق أطيّب منها، وكلما مكثت أكثر في مطبخها، ستبدو مستسلمًا لروائح أكلاتها الشهيّة، فتود لو أنك تلتهم الصورة!

61153199_2323987697665897_7620531306169892864_n.jpg
 

هبة الجيطان(32 عامًا) محامية فلسطينية من مدينة القدس، وتعيش في رام الله، حاصلة على شهادة الماجستير في القانون، وأصبحت شيفًا بعد فترة وجيزة من عملها في مجال المحاماة، وهي واحدة من الشخصيات الفلسطينية المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

حُبها للطبخ ابتدأ من صغرها مع رائحة وطعم أكلات والدتها، هذا الحب بدأ يكبر أكثر بعد الزواج في مطبخها الصغير، أنشأت صحفة خاصة بالطبخ على فيسبوك، ثم انتقلت لموقع إلكتروني تدّون فيه وصفاتها.

وعلى مدار خمسة أعوام تُقدم الشيف هبة برنامج "لقمة هنية" في رمضان على قناة معًا رام الله/ فلسطين.

تستهل جيطان حديثها الشهيّ مع "سند": "نشأت في عائلة تميزت بإعداد الطعام، والاهتمام به، وترتيب المائدة الطعام منذ طفولتي كان أمرًا أساسيًا، كبرت على ذلك واكتسبت مهاراتي من والدتي مع صلقها فيما بعد بالدورات والمتابعة الذاتية".

هبة الذواقة لم تكن تستمع فقط بتحضير مائدة الطعام مع والدتها، بل أيضًا في تحضيره ومساعدة أمها في إعداد الأطباق الشهيّة، سيما في شهر رمضان المبارك، حيث تميل إلى الفتات بأشكالها المختلفة.

وكانت ضيفتنا منذ بداية انطلاقها في عالم الطبخ، تصوّر أكلاتها، وتنشرها عبر صفحتها على فيسبوك، ومع تفاعل المتابعين وتواصلهم الدائم لمعرفة المكونات وطرق إعدادها، شجعها لإعداد وصفات خاصة للنشر.

ومع تطور الصفحة وانتشارها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ازداد اهتمام هبة بعالم الطبخ، الذي بطريقة وأخرى، يُسحر محبيه، فلا يجدون أنفسهم إلا غارقين بالوصفات ومتابعة المطابخ العالمية والعربية، إلى جانب المطبخ المحلي.

وتُردف: "مع الانتشار الواسع لصفحتي على فيسبوك، تلقيت عرضًا بتسجيل برنامج رمضاني، يحمل اسم (لقمة هنيّة مع هبة)، يُعرض على اليوتيوب، ومدة الحلقة 10 دقائق، تشمل المكونات، وطريقة الإعداد والنتائج، بحيث لا يمّل المشاهد، ويسهل عليه تطبيق الوصفة فيما بعد".

61303825_667889520316711_4898092038500646912_n.jpg
61093989_414440816063468_6166051416042373120_n.jpg
 

وفي سؤالنا من هو مُلهمك؟ تردّ بصوت مبتسم: "حقيقةً الجميع يُلهم، فأفكار بسيطة يُمكنها أن تُحدث فارق".

وصقلت هبة موهبتها في الطبخ بالعديد من الدورات كان أهمها، دورة في فرنسا، فتحت أفاقًا جديد لديها في مجال الطبخ، تصفها بـ "التجربة الرائعة"، مردفةً: " فرنسا من أهم مدارس الطبخ العالمية، وأضافت لي الكثير".

 كما حصلت هذا العام على دبلوم شيف من إحدى الكليات في القدس وهي خطوة أولى، تتمنى الزيادة عليها، حنيما تسنح لها الفرصة بالسفر للخارج والتعرف على الطبخ من مجالات أوسع وأكثر احترافية _على حد وصفها_.

بين المحاماة والطبخ

أكملت ضيفتنا هبة مشوراها في المحاماة إلى جانب شغفها بالطبخ، لكنّها توقفت في المجال الأول وأخذت مسارًا آخر في مجال دراستها وهو البحث في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، وهذا المجال منحها ثقة أكبر بالنفس ورغبة قوية في تحقيق ذاتها وطموحها.

لكنّ ماذا عن التحديات التي واجهتها؟ تُجيب: "أكبر التحديات هي المتابعة في الدراسة والعمل على تحقيق نفسي في الطبخ بوجود الزواج والأسرة والأطفال".

وتكمل بمشاعر يملؤها الامتنان: "لكن بمساعدة الأهل والزوج استطعت أن أخذ حصة كبيرة من الوقت لذاتي بهدف الدراسة والعمل مع المحافظة على نظام البيت والأطفال".

الأكل الفلسطيني

في مائدة رمضان بالذات تحرص هبّة تزين مائدتها بالأطباق الفلسطينية التقليدية، إلى جانب وصفات من مطابخ أخرى.

ولا تخفي ضيفتنا حبها للأطباق التقليدية الفلسطينية، فهي كما تصفها "سيدة المائدة" كالمقلوبة وأنواع المخبوزات واليخنات.

61023341_607659206382334_5534743918484127744_n.jpg
 

وتابعت: "كما أنه لا شيء سيثنينا عن أكل العكّوب، لا منع الاحتلال قطفه، ولا كل محاولاته لطمس تراثنا وطعامنا التقليدي".

العكوب أكلة فلسطينية قديمة، تعدّ هبة الاستمرار في طبخه، رسالة ثبات وصمود في ظل ما يُمارسه الاحتلال الإسرائيلي، من انتهاكات ضد التراث الفلسطيني فيما فيه الأكل.

 وأكملت: "هذه النقطة أركز عليها، ولن أجمّل الاحتلال أبدًا في قضية تمس طعامنا وثقافتنا وأشعر بمسؤولية تجاه ذلك".

ومن نابع المسئولية تحاول هبّة أن تكون نافذة لوطنها من خلال أطباقها وزياراتها للمناطق الفلسطينية المحتلة، ولأبناء فلسطين في الخارج الذين حُرموا من رؤيتها.

61422023_389267015264388_2133393625533382656_n.jpg
 

موقف محرج!

في عالم الطبخ لابد وأننا جميعًا مررنا بمواقف حرجة _حرق أكلة مثلًا_ فما هو الموقف الذي لا تنساه هبة ذات مرة ضمن وليمة كبيرة في رمضان؟

تضحك وهي تتذكر معنا: "أنا كأي امرأة تحصل معها أمور خارج السيطرة ولكن في إحدى الولائم، ما حصل معي ليس احتراق الطعام بل عدم نضوجه على الوقت المحدد مما سبب إحراج كبير لي، لكن المطبخ تجارب نتعلم منه كل يوم ونأخذ خبرة".

"لقمة هنيّة"

61288484_522531551614398_2551978178969075712_n.jpg
 

أما برنامجها الرمضاني "لقمة هنيّة" والذي تُقدمه على مدار خمس سنوات، فهي تفكر دائمًا بتجديده كي لا يمّل الجمهور من التكرار.

وأخذت تشرح فكرة برنامجها هذا العام بالقول: "اخترنا الأسلوب السريع في عرض الحلقات، والتركيز على الطبق مع شرح مرقف بصوتي، إضافة لتقديم أطباق عالمية جديدة للمتابعين خاصة من فلسطين".

ورغم التعب والجهد الذي تبذله لإنتاج الفيديو القصير في إعداد الأطباق، إلا أنها ترى العمل ممتعًا طالما أنك تعمل في المجال الذي تُحب.

"لقمة هنيّة" تحلم الذواقة هبة بإنشاء مشروعها الخاص في عالم الطبخ، يكون نافذة على المطبخ الفلسطيني، ولذة أكلاته ووصفاته، سيما التراثية القديمة منها، والتي حافظت على بصمتها، رغم محاولات الاحتلال بطسمها، وسرقة بعضها.

140-1200x715.jpg
61091288_308932789998936_4201985596253536256_n.jpg
61049960_2394321067470532_2947188579782098944_n.jpg
61463316_2088173154642448_1146964565355921408_n.jpg
61064364_410027639850073_8353485058828402688_n.jpg