ولاية المحكمة الجنائية على فلسطين.. هل يمهد الطريق لمحاسبة إسرائيل ؟

حجم الخط
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

ارتياح فلسطيني وتخوّف إسرائيلي، بهذه الكلمات يمكن اختصار صورة المشهد الذي أعقب إقرار المحكمة الجنائية الدولية، ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وفي تفاصيل الحدث المهم، أصدرت الجنائية في الـ 5 من شباط/ فبراير الماضي، قراراً يقضي بأن المحكمة لها ولاية قضائية على جرائم حرب أو فظائع ارتكبت في الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وهي الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة.

ويأمل الفلسطينيون بأن يكون هذا القرار بداية الطريق نحو محاسبة قادة إسرائيل على جرائمهم المختلفة في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة لتثبيت المكانة الدولية لفلسطين كونها عضو في ميثاق روما المؤسس للمحكمة الدولية.

حدث هام له ما بعده

المختص في القانون الدولي والباحث السابق في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إحسان عادل، وصف قرار الجنائية الدولية بالحدث المهم الذي له تبعات قانونية وسياسية متعددة.

وقال عادل في تصريح خاص لـ"وكالة سند للأنباء" إن القرار له تأثيرات كبيرة ومهمة، وليس من المستبعد أن نشهد خلال الفترة القادمة إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال سواء السياسيين أو العسكريين، المسئولين عن ارتكاب جرائم في المناطق الفلسطينية.

وأوضح أن هذا لا يعني أن الأمر سيتم غداً أو بعد غد، فمثل هذه القرارات تحتاج لوقت ليس بالطويل نسبياً، ويجب أن يسبقه النظر في عدة نقاط من بينها التأكد من أن النظام القضائي الإسرائيلي لم يحاسب المسئولين عن هذه الجرائم.

وبين عادل أن آلية العمل في المحكمة الجنائية تمر عادة بمرحلتين، الأولى إجرائية وخلالها تطلب المدعية فحص مجموعة من النقاط قبل إصدار قرار فتح التحقيق، كالتأكد من أن المحكمة صاحبة اختصاص وغيرها من الشروط.

ولفت إلى أن المرحلة الثانية تشمل البدء الفعلي بإجراءات التحقيق بارتكاب الجرائم، على أن تتبعها الخطوة التالية وهي إصدار مذكرات اعتقال وحضور لمن يقف خلفها.

وأضاف عادل: "هذه المذكرات يتم تعميمها بشكل سري على جميع الدول الأعضاء في المحكمة وعددهم 123 دولة، تشمل معظم الدول الأوربية والإفريقية وأمريكا اللاتينية وأستراليا وكندا، وغيرها، وهذه الدول ستكون ملزمة بتسليم الأشخاص المتهمين بارتكاب الجرائم للمحكمة حال دخلوا أراضيها".

المحكمة مستقلة ولا تخضع للضغوط

وحول قدرة إسرائيل على تفريغ هذا القرار من محتواه، ذكر عادل أن الأمر صعب لأن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية، غير أنها من الممكن أن تضغط ومن خلال بعض الدول الكبرى على السلطة الفلسطينية لسحب انضمامها من المحكمة.

وأشار إلى أن هذا الخيار يبدو مستبعداً وغير وارد، لأن القرار وإجراءات البدء بالتحقيق وصلت لمرحلة متقدمة ولا يمكن للسلطة أن تنسحب من المحكمة بسهولة.

وأكد عادل على أن المحكمة الدولية مستقلة ولا وصاية عليها حتى من الدول المؤسِسة لها، كما أنها غير تابعة للأمم المتحدة، ولا تخضع لاعتباراتها كقرار الفيتيو وغيره.

"التخوف الوحيد هو أن يصدر مجلس الأمن قراراً بتأجيل التحقيق لمدة سنة قابلة للتجديد، وحتى هذا الاحتمال يبدو صعب التطبيق، فهو يحتاج لموافقة 9 دول من أصل 15 دولة أعضاء دائمين ومؤقتين في مجلس الأمن"، كما يقول عادل.

وعن المطلوب من الفلسطينيين لاستغلال هذا القرار، أوضح المختص في القانون الدولي أن المطلوب من السلطة الفلسطينية الاستمرار بهذا المسار، كما يجب على منظمات حقوق الإنسان البدء بتحضير ملفات وازنة ومدروسة، فيها ما يثبت ارتكاب إسرائيل جرائم في المناطق الفلسطينية خاصة الحروب الثلاثة على قطاع غزة والاستيطان.

تخوف إسرائيلي

وفي أعقاب قرار المحكمة الدولية، حذرت إسرائيل كبار مسئوليها العسكريين من إمكانية اعتقالهم في الخارج.

مصادر إعلامية إسرائيلية كشفت عن جمع حكومة الاحتلال سراً، قائمة بصناع القرار وكبار أعضاء الجيش والأجهزة الأمنية، الذين يمكن اعتقالهم.

ووفقاً لذات المصدر، فإنه تم الاتفاق مع بعض الدول الأعضاء في المحكمة الدولية على توجيه تحذير مسبق بشأن نية اعتقال عناصر إسرائيلية عند وصولهم إلى أراضيها.

وفي رده على القرار، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المحكمة بأنها هيئة سياسية وليست مؤسسة قضائية، وأن قرار المحكمة يلحق ضرراً بحق الديموقراطيات في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، حسب وصفه.

وزعم نتنياهو أن المحكمة تتجاهل جرائم الحرب الحقيقية، وتتعقب بدلاً من ذلك إسرائيل، وهي بلد له نظام ديمقراطي قوي يقدس حكم القانون وليس عضوا بالمحكمة.

وأكد أن إسرائيل ستحمي كل مواطنيها وجنودها من المقاضاة.

المحكمة الدولية

وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والاعتداء.

وتسعى المنظمة الدولية _المستقلة والمنفصلة عن الأمم المتحدة_ لوضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة، وهي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية.

ومنذ تأسيسها فتحت المحكمة الجنائية تحقيقات في أوغندا و‌الكونغو الديمقراطية و‌جمهورية أفريقيا الوسطى و‌دارفور، وأصدرت 9 مذكرات اعتقال بحق متهمين بارتكاب هذه الجرائم.

وفي نيسان/ إبريل عام 2015 أعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية بصفتها عضواً كامل الحقوق، كأحد نتائج حصولها في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012، على صفة دولة مراقب غير عضو لدى الأمم المتحدة.