فلسطينيون في حكومة إسرائيل.. انزلاق أم واقعية فرضتها السياسة؟

حجم الخط
الكنيست.jpg
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

في سابقة هي الأولى من نوعها، يخطو حزب فلسطيني في الداخل المحتل، خطوة ثانية نحو الانخراط بالنظام السياسي في إسرائيل، فبعد قرار سابق بالمشاركة في انتخابات الكنيست، يأتي اليوم قرار الانضمام للحكومة المرتقبة.

والأربعاء أبلغ يائير لابيد زعيم حزب "هناك مستقبل" الإسرائيلي، الرئيس رؤوفين ريفلين، بنجاحه في تشكيل حكومة تضمّ للمرة الأولى حزبًا عربيًا، وتطوي 12 عاما متواصلة من حكم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو.

ومن المقرر أن تؤدي الحكومة الإسرائيلية القسم في الكنيست خلال 10 أيام اعتبارًا من يوم إعلان تشكيل الحكومة.

وطوال العقود الماضية من عمر إسرائيل الذي بدأ فعلياً مع نكبة الفلسطينيين عام 1948، انقسم سُكان الداخل، إلى فريقين، الأول يرفض الاندماج في اللعبة السياسية، على اعتبار أن ذلك يعطي شرعية لدولة قامت على المجازر والتهجير والتفرقة العنصرية.

أما الفريق الثاني فيرى أهمية المشاركة في الانتخابات تصويتاً وترشحاً، وتحصيل ما يمكن تحصيله من إسرائيل تحت قبة برلمانها والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، الذين أضحوا كأقلية وسط مجتمع صار يميل أكثر لليمين المتطرف.

الانقسام يطال الحزب الواحد

ولم يقتصر هذا التباين في الموقف داخل الوسط العربي ككل، بل امتد ليشمل الحزب الواحد، ففي العام 1996، انقسمت الحركة الإسلامية لجماعتين: الأولى برئاسة الشيخ رائد صلاح، وهي التي أخذت موقف الرفض (سميت فيما بعد بالجناح الشمالي).

ووالثانية تبنت موقفاً معاكساً، ترأسها الراحل عبد الله نمر درويش، وهي ما بات يعرف بـ (الجناح الجنوبي).

وربما ليست مصادفةً ظهور نجل "درويش" في خلفية الصورة التي جمعت منصور عباس زعيم القائمة العربية الموحدة، التابعة للحركة الإسلامية الجنوبية، باليساري يائير لابيد مع اليميني المتطرف "نافاتالي بينت"، وهم يوقعون على اتفاق تشكيل الحكومة الإسرائيلية داخل فندق بالقرب من تل أبيب، قبل عدة أيام.

وفي شباط/ فبراير قرر "عباس" الانفصال عن القائمة العربية المشتركة التي كانت تضم عدة أحزاب عربية، وخوض انتخابات الكنيست منفرداً، لتحصل العربية الموحدة على 4 مقاعد، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى أنها لن تتجاوز نسبة الحسم.

ويرى مراقبون أن قرار منصور عباس تجاوز أحد الخطوط الحمراء فلسطينياً والمشاركة في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لم يكن مفاجئاً لمن تابع مواقف الرجل فور ظهور نتائج الانتخابات، حيث كان عازماً بالفعل على هذه الخطوة، بغض النظر إن كان بينامين نتنياهو على رأس الحكومة أو أياً من منافسيه.

ويروّج المدافعون عن هذه الأسبقية، بأن "عباس" تعامل بواقعية سياسية ولم يكن أسير الأيدلوجيا الإسلامية، واستطاع من خلال التوقيع على اتفاقية دعم حكومة "لابيد وبينت"، الحصول على إنجازات غير مسبوقة تخدم الوسط العربي في الداخل المحتل.

ثمن الاتفاق

وتنص الاتفاقية على إقرار خطة اقتصادية خماسية للمجتمع العربي بميزانية تصل لـ 30 مليار شيكل، وإقرار خطة مماثلة لمكافحة الجريمة والعنف بميزانية تصل لـ2.5 مليار شيكل.

 إضافة إلى إقرار خطة عشرية بميزانية 20 مليار شيكل لتعزيز البنية التحتية في البلدات العربية.

كما نصت الاتفاقية على تجميد قرارات هدم منازل عربية غير قانونية حتى نهاية العام 2024، والاعتراف بثلاث بلدات عربية في منطقة النقب خلال 45 يوماً من تشكيل الحكومة، وتمثيل لائق للعرب في الوظائف الرسمية بما يتناسب مع نسبتهم في الدولة.

نافذة أمل

وفي الإطار ذاته، يرى رئيس الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية في الداخل حمَّاد أبو دعابس، أن دعم منصور عباس للإئتلاف الحكومي الإسرائيلي يمثل خطوة كبيرة ونافذة أمل.

وقال على صفحته في "فيسبوك": "رغم ما تحمله من مخاطر ومتاعب، غير أن هذه الخطوة يجب أن تأخذ فرصتها وتبدأ مسيرتها، وتخضع لامتحان الزَّمن والممارسة، حتَّى نحكم عليها الحكم الصَّحيح المنصف".

وبيّن أن خلفية مكونات هذه الحكومة التي توصف باليمنية المتطرفة لا يجب أن تكون عائقاً يحول دون خوض غمار المعترك السياسي، وأن المفاضلة بين السِّياسات والطُّروحات المختلفة هي الدافع نحو اتخاذ هذه الخطوة.

وشدد "أبو دعابس" على أن من يقف خلال هذه القرار  قيادة عربيَّة جريئة وطموحة، شقت طريقها بعد أن قيَّمت الواقع جيداً.

"الأيام هي الحكم"

ويتفق الكاتب والمحلل السياسي سري سمور مع "أبو دعابس" في وجهة نظر أن "الميدان والزمن هما اللذان سيكونان الفيصل لتقييم تجربة منصور عباس في الحكومة الإسرائيلية.

وقال "سمور" "وكالة سند للأنباء": "بعيداً عن المسار السياسي، إذا استطاع عباس تحقيق اختراقات اقتصادية واجتماعية تمس حياة المواطنين العرب في الداخل، عندها فقط يمكن القول إن نهجه كان صواباً".

وتتمثل هذه الاختراقات في زيادة فرص العمل ووقف هدم المنازل والقرى العربية غير المعترف بها وتخفيض مستوى الجريمة، وفق "سمور".

واستطرد: "لكن في حال لم يتحقق كل ذلك، ولم يلتزم لابيد وبينت بالاتفاق الذي جرى التوقيع عليه، عندها تصبح هذه الخطوة قفزة في الهواء، وستزيد الشرخ داخل الجمهور العربي وأحزابه".

وأكد أن فشل "منصور" سيُعطي المزيد من الشرعية للاحتلال وتُظهره بصورة ديمقراطية أمام العالم الغربي.

"حكومة هشة لن تُعمر طويلاً"

وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية المقبلة، في حال حازت على ثقة "الكنيست" وتجاوزت الـ61 صوتاً، ستكون هشة ولن تصمد طويلاً في ظل التباين الفكري الحاد داخل أعضائها، حيث تضم أحزاباً يمنية متطرفة ودينية متشددة ويسارية علمانية وعربية.

وقال "سمور" "هي خلطة عجيبة غريبة، اتفقت على شيء واحد فقط هو إسقاط نتنياهو وإنهاء حكمه الممتد منذ 12 عاماً".

ولفت إلى أن "نتنياهو" لن يرفع الراية البيضاء، وسيبذل قصارى جهده لإسقاط هذا الإئتلاف والذهاب نحو انتخابات خامسة، سواء قبل التصويت داخل "الكنيست" أو بعده، وهو ما يزيد من فرص فشل "عباس" في تحقيق مبتغاه.

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk