ليلة الوداع فارقة..

تيسير العيسة.. ابنٌ بار وزوجٌ حنون وحكاية لم تكتمل مع مشاعر "الأبوة"

حجم الخط
197013188_479908606605006_5744668986544914619_n.jpg
غزة/ جنين/ إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

"طلَّت البارودة والسبع ما طَل"، جاء الموت ضيفًا ثقيلًا لعائلة "العيسة"، مثل جرسٍ مُفزعٍ تركَ كتلة ذائبة من الوجع في قلوبهم، وفاضت محاجرهم بدموع الفراق التي أحرقت أرواحهم.

فجر الخميس الـ 11 من شهر حزيران/ يونيو الجاري، استقرت رصاصات غادرة في جسد الشهيد النقيب تيسير محمود العيسة (26 عامًا) من مخيم جنين شمال الضفة الغربية، خلال تصديه لاقتحام قوة إسرائيلية للمدينة، لترتقي روحه إلى السماءِ دون أن يحمل بين راحتيه طفلته الصغيرة "تحرير" التي كان يستعد لقدومها خلال أيام؛ فكان الموت أسرع من فرحته.

"الشهيد الباسم"

دموع والدة "تيسير" سبقت حروفها أثناء حديثها "وكالة سند للأنباء"، فابنها "مميز" بكل شيء في الحياة، لكنّها تقول : "فلذة كبدي عزيز عليّ، غير أن الوطن غالٍ وثمين أيضًا فكل ما نملك هو فداءً للقدس والمسجد الأقصى".

وبلهجةِ حي صانور -مسقط رأس الشهيد- تُتابع تنهيداتها: "بدي أكُلّك ابني مميز بكل شيء، مشيته بالطريق، شخصيته الضحوكة للجميع، معاملته مع الناس، ما بكْدر أوصفلك تيسير".

"حَشْرجة" صوت أم الشهيد مليئةٌ بعذاباتِ الشوق الذي يُحاصرها مِن كُلِّ جانب، فَلَم يكن هذا الفراق الأول الذي يدقُّ قلبها الرقيق ويسرق فرحته، فقبل خمسِ سنواتٍ فقدت ابنتها "تحرير"، ليتجدد ألمِ الفقد التي تهبُّ رياحه في وجها؛ فخارطةُ العمر تؤكد أن الموت كل يوم يخطف منا عزيز، وهو محتمل في كُلِّ حين!

"تيسير" عريس  كما تصفه أمه، تزوّج من 9 شهور وكان على موعدٍ مع مشاعر الأبوة للمرة الأولى لطفلةٍ أراد تسميتها "تحرير" من أجل أن تبقى سيرة أخته الراحلة -رحمها الله- بينهم، لكنّ قدر الفلسطيني أن يُسبق الموت أي فرحة ودون سابق إنذار.

"تتعبيش يمّا" هذه الكلمات كان يُرددها "تيسير" على مسامع أمه كلّما ذهب لزيارتها، فهو يحرص على راحتها، يُحبّ أن تُشاركه كل شيء، أبسط التفاصيل وألذ الأكلات تقول والدته: "متعلق بوجودي، يُفضّل أن أشاركه الأكل، يُخبرني دائمًا ممازحًا أنني فاتح شهيّة، حبيبي كم سأفتقده".

"زوج حنون"

الارتباط بالفلسطيني ليس سهلًا أبدًا؛ فهو ارتباطٌ محفوفٌ بكثيرٍ من المخاوفِ التي تجعلنا أن نفقد مَن نُحبه في أيِّ وقتٍ ممكن؛ فالعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي له ثمن غالٍ لا بد أن يدفعه كُلّ حُر.

بابتسامةِ صبرٍ واحتساب تقول زوجته "فداء": "تيسير تميّز بشخصيته الهادئة، الحنونة، المرحة معي ومع الناس جميعًا، لا يُحب أن يتسبب بأذى لأيِّ شخص، يحرص أن يكون أثره دائمًا جميل وخفيف".

"فداء" و"تيسير"، كانا على موعدٍ مع حياةٍ جديدة تُكتب لهما بقدوم طفلتهما الأولى، خططا معًا لكل تفاصيل استقبالها، اتفقا أن تكون صغيرتهما "مدللة" العائلة وأنهما سيعملان جهدهما "ما تزعل تحرير شو ما صار"، لكنّ ذهب الأب الحنون إلى مكانٍ بعيد، وتُركت الأم وحدها تنتظر صغيرتهما بشوق لتُخبرها عن "بطلها الخارق" وعن حُبّه لها.

بصوتٍ مبتسم تستذكر "فداء": "كان ينتظر طفلتنا على أحرِّ من الجمر، يذهب لعمله ويعدّ بالدقيقة كي يعود إلى البيت ليكون إلى جانبي، كوني على أعتاب الولادة".

ليس غريبًا على "تيسير" هذه الرقة، فمن المواقف التي لا تنساها "فداء" له، أنه قبل فترةٍ وجيزة بغير عمد دهس قطّة بمركبته أثناء سيره في شوارع المخيم، "ظّل بعدها محاصرًا بالحزن لأيامٍ طويلة ولم يخرج من البيت إلا للضرورة، إلى أن سأل أحد الشيوخ ماذا يفعل ليرتاح ضميره".

ليلة الوداع..

يشعر الشهداء بدنو رحيلهم، فيبدو ذلك جليًا على تصرفاتهم، "تيسير" قبل ذهابه إلى عمله مساء الأربعاء (ليلة استشهاده)، اتصل على إخوانه ليطئمن عليهم، يُمازحهم، عَلت ضحكاته كما لو أنه أراد تخليد آخر ذكرياته معهم بصوته الضاحك.

أما آخر ذكرياته مع زوجته فداء، فكانت اتصال قصير قبل استشهاده بـ 20 دقيقة، طلب منها خلاله أن تُصلي قيام الليل "ولو ركعتين يا فداء أُحبّ أن تُشاركيني الأجر في كل شيء" كهذا أخبرها.

بصوتٍ مرتجف تُعقبّ زوجته: "لقد كان مدهشًا قبل استشهاده بطريقة مُلفتة، لم أكن أعلم أنها علامات الوداع وأنه يترك بصماته الأخيرة معنا بهذه التصرفات".

وختمت حديثها "أحمدُ الله الذي أكرمني بلقب "زوجة الشهيد"، ولا شك أنني لم أكن متهيأة نفسيًّا لهذا اليوم، لكن الله وضع في قلبي الكثير من الصبر الذي يجعلني أتحمل فراقه وأنا على عتبةِ الولادة لطفلتنا".

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk