"العِرق يمد لسابع جدّ"..

عِلم "الأنساب".. جذور سكان فلسطين الأصليين ممتدٌ

حجم الخط
علم الأنساب.jpg
القدس - فاتن عياد الحميدي - وكالة سند للأنباء

مِن أين أنت؟ وإلى أي القبائل تنتسب؟ هل لك صِلة بنسبٍ عائلي لآل البيت الشريف؟ أسئلة تتراود على أذهان الكثيرين، فقد أولى العرب القدامى اهتماماً بالغاً في حفظ الأنساب وتعليمها، وكانوا يقسمون النسب على درجات عرفت بطبقات النسب.

فمن يطلع على تاريخ العرب قبل الإسلام يدرك مدى اهتمامهم بحفظ أنسابهم وأعراقهم، فتميزوا بذلك عن غيرهم من الأمم الأخرى، ولا يعزى ذلك كله إلى جاهليتهم، كما لا يعزى عدم اهتمام غيرهم كالفرس والروم إلى تحضرهم.

"بداية الطريق"

وفي حديث هاتفي شيِّق، استضافت فيه "وكالة سند للأنباء" الباحث في علم الأنساب "النسابة" حازم زكي البكري من مدينة القدس، ليحدثنا عن علم الأنساب الخاص بالعائلات الفلسطينية.

في بداية الطريق يوضح لنا "البكري"، أن اهتمامه بهذا العلم بدأ ينصب منذ سبعينيات القرن الماضي، كهواية ورغبة وشغف تطور إلى أن أصبح هاجساً بمعرفة جذور القبائل والهجرات العربية والعائلات الفلسطينية، والسكان الأصليين لمدن فلسطين.

إلى أن أصبح باحثاً يصدر العديد من الكتب المطبوعة والإلكترونية وأخرى قيد التجهيز، بعد أن منعته سلطات الاحتلال الإسرائيلي من استكمال دراسة الهندسة بجامعة بيروت اللبنانية، والتي استغرقت 8 سنوات دراسية.

"ما قبل النكبة الفلسطينية"

يسرد لنا "البكري" تفاصيل البدايات مُحدِثاً، أنه وقبل النكبة الفلسطينية عام 1948 كانت القرى والبلدات الفلسطينية مفتوحةً على بعضها البعض، كذلك سهولة التنقل بين العائلات، وبالتالي تجد بعضها موجودة في عدة مدن فلسطينية.

ويضرَب مثلاً، عائلة "العَلَمي" في القدس، والتي ترجع إلى المغرب العربي، إذ كانت بداية سكنها على حدود مدينة غزة، ثم انتقلوا إلى القطاع، وبدأوا التنقل إلى مدينة القدس والمدن الفلسطينية.

كذلك الحال في عائلة "الشرفا" في غزة والقدس، يتواجد جزء كبير من العائلة في قطاع غزة وجزء كبيرٌ آخر في القدس، وهناك عائلات قليلة، بعض الفروع انتقلت من غزة إلى القدس مثل "الشوا" و"مشتهى" وأخرى كثيرة.

وبعد "النكبة لعام 1948" و"النكسة لعام "1967، بدأ التحرك العائلي يضعف تدريجياً، وباتت العائلات تنحصر في مدينة وقية معينة؛ نتيجة لحواجز الاحتلال الإسرائيلي ومنع الحركة وإجراءاته الاحتلالية الحاصلة إلى اليوم.

وتركزت جُل أبحاث ضيفنا في معرفة جذور عائلة "البكري" في العالم، والتي ترجع إلى الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

"الكنعانيون.. تفاصيل لعادات أصلية"

وبالبحث في أنساب العائلات الموجودة في فلسطين، يخبرنا ضيف "سند" عن وجود عائلات مختلفة جاءت إلى فلسطين، بجانب الفلسطينيين الأصليين الذين يعود وجودهم إلى 3 و 4 و5 آلاف سنة قبل الميلاد، وهم "الكنعانيون".

مَن مِنا لم يقم في صِغره بتقبيل قطعة من الخبز ووضعها على رأسه ورفعها عندما تقع على الأرض؟ سؤال يتراود على الأذهان، هل لها دلالة معينة؟

 يقول "البكري" إن العادة السابقة، هي عادةٌ مأخوذة من الكنعانيين، الذين كانوا يعبدون "القمح" آنذاك، فيرمز لهم بالقدسية والخير والعطاء، وبالتالي كل ما يتعلق بالقمح تكُن له قدسية واحترام.

تُعد هذه دلالات على وجود الفلسطينيين الذين مازالوا يمارسون العادات الكنعانية حتى يومنا هذا، وهؤلاء يكثرون في القرى الفلسطينية.

فمن يذهب إلى بعض القرى الفلسطينية يجد النمط المعماري الكنعاني، سواء في المعاصر أو بناء البيوت والمطاحن، وعلى وجه الخصوص، معاصر "النبيذ" التي كانت تنتشر بكثرة، وما زالت إلى الآن.

ويتابع ضيفنا، من الدلالات ذات الوجود الكنعاني في فلسطين هو "الثوب الفلسطيني الفلاحي"، فهو ثوب "كنعاني" بنقوش كنعانية، إضافةً لبعض الأكلات الأصلية العائدة لهم مثل: المسخن وخبز الطابون.

كذلك أكلة "البربارة"، التي يتناولها النصارى في موسم "القديسة البربارة"، وهي عبارة عن قمح وسكر، ترجع لأصلٍ "كنعاني".

"شعوباً وقبائل"

اكتسب القادمون إلى فلسطين عادات من السكان الأصليين، وكذلك العكس، ومجمل التراث الفلسطيني الآن، مزيج من العادات العربية والكنعانية المشتركة، التي تتشابه مع العادات في بلاد الشام، بحسب ما أورد "البكري".

ويشدد على وجود خصوصيات تعبر عن الشعب الفلسطيني وهي مكتسبة عن الكنعانيين الأصليين.

يقول "البكري" هناك طائفة وهم "البراهمة"، متواجدة بأعداد كبيرة في قرى الخليل وقرى أخرى، وهم من أرجح القبائل ذات الوجود الأصلي في فلسطين، وسكان القرى بشكل عام هم من أنساب "كنعانية" حافظوا على أصولهم.

أما عن سكان المدن، بعضهم يرجع إلى نسبٍ كنعاني فلسطيني دون معرفة ذلك، وبعضهم لا يعرف أكان عربيا أو أعجميا أو شركسيا، ولكن مع تطور الحمض النووي، ستكشف الفحوصات الجينية عن هؤلاء العائلات وتحددهم.

"تهديدات وغرائب"

كلٌ يتمنى الانتساب والالتصاق بالنسب النبوي الشريف والعربي، فتجد الكثير ممن أضاعوا أنسابهم، وهنا يضيف "البكري" أنه يتعرض إلى مواقف أشبه بالتهديدات والوعيد، كونه يكشف الحقائق من خلال أدلة وحجج وبراهين.

إضافة لنفيه ادعاءات بعض العائلات انتسابها لآل البيت أو العمريين، فمن يدعي نسباً بطريقة كاذبة لا يتحمل هذا الأمر.

وفي إحدى المواقف اللافتة، يخبرنا "البكري" عن قصة شاب من إحدى العائلات المعروفة تقدم لاستخراج شهادة نسب إلى نفسه وعائلته.

وبالرجوع إلى السجلات العثمانية تبين أن نسب العائلة صحيح، لكن المفاجأة كانت في الشخص المتقدم بالطلب، إذ تبين أن جده يهودي أعلن إسلامه وانتسب للعائلة المسلمة، فهو ليس من العائلة؛ ولكنه منتسبٌ لها بعد انتساب جده اليهودي.