الساعة 00:00 م
الخميس 29 سبتمبر 2022
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.84 جنيه إسترليني
4.98 دينار أردني
0.18 جنيه مصري
3.44 يورو
3.53 دولار أمريكي

عن ليالي المواجهة في "قبر يوسف".. الأرض تعرف أهلها

حجم الخط
41EE7C38-0399-4587-AA11-0B6B856119A4.jpeg
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

قبل منتصف الليل بساعاتٍ قليلة، ينطلق  موكب الخراب اليهودي من حاجز بيت فوريك صوب قبرهم المزعوم القريب من قرية بلاطة البلد شرق نابلس، ليُحوّلَ ليل المدينة الساكن لأزيز رصاص وصدى انفجارات وطنين طائرات مُسيّرة وإسعافات.

قافلة القتل والدمار، تأتي مرة كل شهر، تُقلُّ مستوطنين في حافلات ضدّ الرصاص، محروسة بمركبات عسكرية من أمامها ومن خلفها، حُجتهم الداحضة صلاة على أطلال قبر زعموا أنه لنبي الله يوسف، وما علموا أن الصلاة سكينة ووقار، وهي في كل الديانات رمزٌ للسلام إلا عند هؤلاء أصحاب الجدائل الطويلة والقبعات الصغيرة.

خذوا مواقعكم

على الجهة المقابلة، شُبان يتوزعون على مفارق الطرقات شرق جبل النار، فقد خبروا خط سير الغزاة من قبل، ينتظرون ساعة الاقتحام على أحر من الجمر، أما أعمارهم فهي ضمن الفئة التي لا يَسمح لها الاحتلال الصلاة في المسجد الأقصى.

يتأهبون، لا يعيقهم برد ولا مطر، يظلّون عل اتصال فيما بينهم، يُجهّزون المتاريس وما توفر من أدوات لإعاقة تقدمهم، إطارات مشتعلة، حجارة، خُردة، حتى حاويات القمامة يصبح لها دور آخر، هي فوضى خلاّقة  إذن، محمودة لا مذمومة.

يأتي المنتفضون من كل أحياء المدينة وقراها المجاورة ومخيماتها القريبة (مدنيون، فلاحون، لاجئون)، في هذه الساعات تختفي الفوارق الحزبية ويذوب التعصب، وتوحدهم مواجهة الاحتلال وتجمع كلمتهم، يصلون لمحيط القبر رجالاً وبعضهم ركباناً في سيارتهم الخاصة وعلى دراجاتهم النارية.

سلاحهم بسيط، ما توفر من حجارة، زجاجات فارغة ومشتعلة، ألعاب نارية، علب دهان، وما إن يصل موكب الخراب لمدى سواعدهم، حتى تبدأ المواجهة غير المتكافئة، يشرع الشبان بتفريغ ما في جعبتهم، فيرد جنود الاحتلال المكلفين بحماية القافلة بالرصاص في كل اتجاه.

في جعبتهم رصاص

بعد اشتداد المواجهة، يصل المقاومون الملثمون، يُطلقون الرصاص نحو مركبات الاحتلال والمستوطنين، ثم يتوارون عن الأنظار سريعاً، فمثل هؤلاء لا يُطيلون المكوث خوفاً من رصاص القناصة الذين عادة ما يعتلون أسطح المنازل المجاورة.

المنتفضون يتناوبون في تلك الليلة على المواجهة، أفواج تأتي وأخرى تغادر، يستفزهم مشهد الاقتحام، يشعرون أن جزءاً من كبريائهم قد خُدش لو دخل المقتحمون وخرجوا وكأنهم في نزهة، هكذا يقولون.

يُنغّصون عليهم، يُصعّبون مهمتهم، هذا هدفهم، حتى لا يُقال إن دخول مدينتهم كان أشبه برحلة مدرسية في نظر الناطقين بالعبرية، يحاولون اقتلاع مسمار جحا الذي دقوه في قلب نابلس على حين غفلة من أهل أوسلو، هكذا يرددون.

"يستغلون الدين خدمةً للسياسة، يُزوّرون أوراق الماضي لسرقة الحاضر، يستحضرون التاريخ المزيف خدمة للجغرافيا وقضم الأرض، هو أشبه بمشروع تجاري، فالقبر في نظرهم وسيلة لجمع التبرعات من يهود العالم"، يقول أحدهم .

"يبحثون عن أي حجر ولو كان بحجم "صرارة" يثبت مزاعمهم، ينبشون في باطن الأرض، غير أنهم كلما وجدوا أثراً كان دليلاً آخر على أنهم مجرد عبرانيون، عبروا المكان وانصرفوا، لم يقيموا دولة ولم يبنوا حضارة ولم يُشيدوا بيتاً"، يضيف ثالث.

يهود في مكان إسلامي

المواجه المشتعلة تمتد إلى ما قبل بزوغ الفجر، يتخللها قتل وإصابة واعتقال في الخارج، فيما يرقص المستوطنون ويؤدون طقوسهم التلمودية في الداخل، بكاءٌ كاذب، خشوع مُزيف، نفخ بمزامير حول حجر يشبه قلوبهم السوداء، بل أشد قسوة وقتامة.

المكان نفسه يُنكر وجودهم ولا يشبه عبرانيتهم بشيء مهما حاولوا تزويره وتغيير ملامحه الإسلامية بأدوات مزيّفة أتوا بها من خارج التاريخ والآثار.

قبته الصغيرة، أقواسه، محاريبه، ساحته، دليل لا لُبس فيه على أنه مقام إسلامي، يشبه مئات المقامات الموجودة على رؤوس جبال القرى وفي المدن الفلسطينية، مرّ ومكث ودُفن بها أنبياء وأولياء، ورجال صالحون، ومجاهدون أيضاً اتخذوا من المكان أبراج مراقبة ونقاط اتصال.  

عقارب الساعة للوراء

أهل نابلس يعرفون المكان جيداً، فحول "قبر يوسف" ارتقى عشرات الشهداء وأُصيب المئات منذ أن وضع الاحتلال يده عليه عام 1967، وفي داخله قُتل تسعة جنود إسرائيليين رمياً بالرصاص خلال هبة النفق عام 1996.

لا يزال بعض شهود العيان يذكرون ذلك اليوم الذي تعالت فيه أصوات الجنود، نحيباً وبكاءً، خوفاً وفزعاً وهم محاصرين وسط أفواج من مقاومين، يومها لم ينجُ بقية الجند إلا بعد تدخل الطيران.

وفي انتفاضة الأقصى عام 2000  كان "القبر" بؤرة ساخنة أدت لسقوط شهداء وقتلى من الاحتلال، ومنذ ذلك العام وحتى 2007، ظل المكان محرماً على المستوطنين، يتيهون حوله سبع سنين، لا يطئونه ولا يصلونه سوى بنظارتهم من فوق قمة جبل جرزيم المطلة على المكان.

وما إن وضعت الانتفاضة أوزارها وجفت ينابيع المقاومة بعض الشيء، حتى تغير المشهد وتبدل، فوجد المستوطنون في مناخ التنسيق الأمني فرصة سانحة، فعادوا لاقتحام المكان أفواجاً وجماعات، شخصيات سياسية وأخرى عسكرية، وزراء وقادة في الجيش، كلهم جاؤوا يخطبون ودَّ "الحاخامات" طمعاً بأصواتهم الانتخابية.

في كل مرة يقوم فيها الاحتلال بترميم المكان وإعادة تأهيله، يقوم الشبان الغاضبون بحرقه وتدميره، هكذا فعلوا عام 2015، وهكذا حاولوا بعدها في أكثر من مناسبة، عاد المستوطنون للاقتحام وعاد الفلسطينيون للمقاومة.