التطبيع الخليجي مع إسرائيل.. قريب من الأنظمة بعيد عن الشعوب

حجم الخط
التطبيع الخليجي
أحمد البيتاوي-وكالة سند للأنباء

وسط تصفيق حار ممزوج بالدموع، اصطف العشرات من موظفي وزارة الثقافة والآثار البحرينية على جانبي الممر الذي خرجت منه الوزيرة مي آل خليفة، تطبيقاً لقرار إقالتها بسبب رفضها مصافحة نظيرها الإسرائيلي "إيتان نائيه".

الإشادة بموقف آل خليفة ودعمها في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل شخصيات رسمية وشعبية، لم يكن مجرد حدث عابر، وإنما حالة شعبية تعكس المزاج الخليجي تجاه التطبيع مع دولة الاحتلال.

وقال مدير مكتب قناة "الجزيرة" في الكويت سعد السعيدي، إن رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار الشيخة آل خليفة، لم تخالف ضميرها وثقافتها ومبادئها التي ولدت وتربت وعاشت عليها.

واعتبر الكاتب القطري جاسم فخرو، إقالة آل خليفة تأكيد على اتساع الفجوة بين الحكومات والشعوب العربية فيما يخص التطبيع.

بينما كتبت المغردة البحرينية باسمة القصاب: "إذا كان صحيحاً ما يتداول من أن رفض التطبيع هو ما أطاح بوزيرة الثقافة مي آل خليفة، فإنه سيُحفظ لها قولها لا للكيان المحتل".

إسرائيل دولة معادية

المواقف الخليجية من التطبيع لم تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي وحسب، فقبل عدة أيام، أعلنت مجموعة عُمانية مناهضة للتطبيع، أن منتخب بلادها الجامعي لكرة الصالات، انسحب من بطولة العالم في البرتغال، رفضاً لمواجهة الفريق الإسرائيلي.

وفي العام الماضي أقر مجلس الأمة الكويتي تعدیلات قانونية تنص على تشدید العقوبات وسد الثغرات، على قانون يحظر التعامل أو التطبیع مع دولة الاحتلال.

ووفقا للقانون الكويتي، فإن إسرائيل دولة معادية، يُحظر على الأشخاص عقد اتفاقات أو صفقات مع هيئات أو أشخاص مقيمين فيها أو منتمين إليها أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها.

وفي منتصف أيلول/سبتمبر 2020، وقّعت الإمارات وإسرائيل في حديقة البيت الأبيض، اتفاقية تطبيع تحت مسمى "الاتفاق الإبراهيمي"، تلتها البحرين ثم السودان والمغرب.

ومؤخراً، أعلنت السعودية فتح مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية في خطوة عدها مراقبون أنها تأتي تمهيداً لتطبيع قادم بين البلدين.

استطلاع جديد

وفي مقابل هذا التطبيع الرسمي، أظهر استطلاع رأي، أجراه "معهد واشنطن" الأمريكي للأبحاث، تراجعاً ملحوظاً في مؤيدي اتفاقيات التطبيع في كل من السعودية والبحرين والإمارات، مقارنة بأواخر عام 2020.

ووفقًا للمسح الذي أجراه المعهد، فإن أكثر من ثُلثي المواطنين في الدول الثلاث، باتوا ينظرون إلى الاتفاقيات بعد أقل من عامين على توقيعها نظرة سلبية.

ويشير الاستطلاع إلى أنه ومع نهاية العام 2020، أيد 47% من الإماراتيين الاتفاقيات، مقابل 49% عارضوها، بينما أيدها في البحرين 45% مقابل 51% عارضوها، وفي السعودية أبدى 41% موقفاً إيجابياً من الاتفاقية وعارضها 54%، آنذاك.

أما في الاستطلاع الجديد، الذي أجراه المعهد نفسه في آذار/ مارس الماضي، أيد الاتفاقيات 25% وعارضها 71% في البحرين، وفي الإمارات أيدها 20% مقابل 76%، وفي السعودية أيدها 19% وعارضها 75%.

أرقام تتسع ورفض يزداد

ورأى منسق اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل (BDS) محمود نواجعة:" أن التراجع في نسبة المؤيدين لاتفاقيات التطبيع في دول الخليج أمر متوقع وطبيعي.

وأضاف: "مع مرور الوقت واتضاح الأهداف الإسرائيلية الحقيقية من التطبيع والأضرار التي ستلحق بدول الخليج ستتسع دائرة الرافضين أكثر فأكثر".

ويجزم خلال حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" بأن الدول العربية المطبعة لن تحقق من هذه الاتفاقيات أية مكاسب سياسية أو عسكرية اقتصادية أو أمنية.

وتابع: "الرفض الشعبي لاتفاقيات التطبيع لمسناه بشكل واضح في معرض أكسبو دبي الذي أقيم في نهاية العام الماضي وبداية العام الجاري، حيث انخفض عدد الزائرين للمعرض من 25 مليون لـ5 ملايين فقط، هذا التراجع ليس بسبب كورونا كما يروج البعض وإنما بسبب مشاركة إسرائيل".

وأكمل: "لم يشهد المعرض وكما كانت تأمل إسرائيل توقيع اتفاقيات تجارية مع أي شركة عربية أو إٍسلامية وإنما توقيع اتفاقيات مع شركات إماراتية فقط".

المال في خدمة التطبيع

وأشار نواجعة إلى أن دولة الإمارات تسير في إستراتيجية ثابتة تقوم على توظيف المال لانتقال التطبيع من المستوى الرسمي إلى الشعبوي، وهو الأمر الذي فشلت به.

وعن سر الاندفاع الإماراتي الرسمي نحو التطبيع مع إسرائيل، قال: "الإمارات دولة تابعة بشكل كامل لإسرائيل والولايات المتحدة، وما يحصل فيها لا ينطبق على بقية الدول المطبعة سواء مصر أو الأردن أو المغرب أو حتى البحرين، حيث توجد هناك مؤسسات تابعة للمجتمع المدني ترفض التطبيع".

أما عن موقف السعودية الحقيقي من التطبيع، بيّن نواجعة: "الدور السعودي خطير جداً وغير واضح، فهي تدعم التطبيع الخليجي من تحت الطاولة، وفي نفس الوقت تعلن تأكيدها الشكلي على الحقوق الفلسطينية. هي لا تريد أن تخسر قيادتها للعالم الإسلامي حال أعلنت التطبيع العلني".

الموقف الشعبي عن قرب

وللتعرف أكثر على الموقف الشعبي الحقيقي من التطبيع مع إسرائيل، التقت "وكالة سند للأنباء" بمهندس فلسطيني يعمل في شركة مقاولات إماراتية وصل للتو مدينة نابلس لقضاء العطلة الصيفية.

يقول المهندس (فضل عدم ذكر اسمه): "في المجالس الخاصة وعند الدخول في نقاشات سياسية عابرة سواء مع موظفين أو زبائن إماراتيين، يبدي الغالبية العظمى موقفاً رافضاً من التطبيع مع إسرائيل بمجرد أن يعرفوا أصولي الفلسطينية".

وأضاف: "حتى أولئك الذين يلتزمون الصمت ويرفضون التعقيب خوفاً من المساءلة، ترى في عيونهم الرفض والإنكار لموقف حكومة بلادهم ويظهرون كالمغلوب على أمرهم".

وتابع: "الشعب الإماراتي في عمومه طيب وبسيط ولا يهتم لتعقيدات السياسة، لكن القضية الفلسطينية بالنسبة له أحد المسلمات التي لا يمكن الاختلاف عليها، رغم حالة التشويه والتشويش الإعلامي التي يتعرضون لها من وسائل الإعلام المحلية".

وأردف: "تشعر أن العداء لإسرائيل أمر فطري وطبيعي، يظهر ذلك بصورة أكثر وضوحاً في الجيل القديم، لكن هذا لا يعني بالطبع أن الجيل الجديد أقل حدة في عدائه لدولة الاحتلال".

وحسب المهندس الفلسطيني، فإن بقية الشعوب الخليجية لا تختلف كثيراً عن موقف الشعب الإماراتي الرافض للتطبيع ومع الحق الفلسطيني قلباً وقالباً.