44 عامًا على "كامب ديفيد".. باكورة قطار التطبيع العربي مع إسرائيل

حجم الخط
توقيع اتفاقية كامب ديفيد
القاهرة - وكالة سند للأنباء

شكّلت معاهدة كامب ديفيد، باكورة العلاقات السياسية العربية الإسرائيلية، بعد توقيعها عام 1978؛ لتخطّ السطر الأول في دفتر المعاهدات العربية التي توالت لاحقا، تحديدا في تسعينيات القرن الماضي، وصولا لموجة التطبيع الأخيرة أو ما عرفت باتفاقيات "أبراهام".

في 26 مارس/آذار 1979 وُقعت معاهدة السلام في البيت الأبيض الأميركي بحضور الرئيس جيمي كارتر، ونظيره المصري محمد أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحم بيغن، وكانت مكملة لإطار سلام الشرق الأوسط، والذي صدر عن مفاوضات منتجع كامب ديفيد الأميركي في 17 سبتمبر/ أيلول 1978.

ثمة فارق جوهري بين هذه المعاهدات التي شكلت إطارا رسميا في إدارة العلاقات بين أنظمة عربية وإسرائيل، وبين مسار تطبيعي يتغلغل في نخب وأحشاء الشعوب العربية، كما يقول مراقبون؛ لكنهم لا يغفلون لهذه الاتفاقية دورها في شرعنة الاتفاق السياسي مع الاحتلال واعتباره كيانا طبيعيا في المنطقة.

لكنّ السؤال المهم، ماذا جنت مصر من وراء الاتفاق؟ وهل فعلّا شكلّ مكسبا سياسيا لدولة عربية كبيرة خرجت من طور الصراع الإسرائيلي العربي؟، أسئلة برسم الإجابة تجاه اتفاق سياسي لا يزال الغموض يكتنف كثيرا من تفاصيله، تبعا لمراقبين.

أخطر من اتفاق

المتخصص في الصراع العربي الإسرائيلي محمد سيف الدولة، يشير إلى أن الاتفاقية لم تكن مجرد اتفاق ثنائي مقابل إقامة علاقة طبيعية مع إسرائيل وبعض الترتيبات والتنازلات الأمنية والعسكرية المصرية فى سيناء؛ بل هى أشمل وأخطر من ذلك بكثير.

ويوضح "سيف الدولة" لـ"وكالة سند للأنباء" أن "الاتفاقية هى نظام حكم كامل متكامل، وعصر كامل قائم بذاته ونظام حكم يتدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى حياتنا منذ سبعينات القرن العشرين حتى يومنا هذا".

لوجستيا، حدّ الاتفاق من القدرة والقوة والسيطرة المصرية على سيناء من جهة، ومنح واشنطن موضع قدم في شبه الجزيرة، ضمن ما يسمى بـ "قوات متعددة الجنسية"، إلى جانب منح تسهيلات لوجستية فى قناة السويس والمجال الجوى المصرى، بحسب "سيف الدولة".

ويضيف: "دفعت الاتفاقية القاهرة، للانخراط فى كل أحلافها العسكرية، والالتزام بما تقيمه من ترتيبات أمنية فى الإقليم، وتنفيذ الأدوار والمهام التى تطلبها منا فى حروبها واعتداءاتها العسكرية فى المنطقة".

كما سنح الاتفاق فرصة لواشنطن للتدخل في الشأن المصري عبر المعونة التي تقدمها سنويا بقيمة 1.3 مليار دولار، مع تسليم الاقتصاد المصرى الجديد لصندوق النقد والبنك الدوليين لإدارته وتوجيهه والسيطرة عليه، وفق قوله.

ويلفت "ضيف سند" إلى أن الاتفاقية فتحت الباب مشرعا، أمام توقيع اتفاقات اقتصادية بين الطرفين، إذ وقعّت مصر وإسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2004 اتفاقية "الكويز"، وهي تسمح للشركات المصرية التي تستخدم مدخلات إسرائيلية بتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة بإعفاء جمركي.

ومن المفارقات أن مصر التي وقعت عام 2005 اتفاقية لتصدير الغاز إلى إسرائيل لـ 20 عاما، باتت تستورد منذ مطلع 2020 الغاز من تل أبيب عبر صفقة مداها 15 عاما.

ويشدد "سيف الدولة" على أنّ الاتفاق لم يستطع تدجين الشعب المصري، بدليل المظاهرات التي اندلعت في عديد المناسبات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وصولا لحرق السفارة الإسرائيلية عام 2011، نتيجة العدوان الإسرائيلي على غزة.

عزل مصر

من جهته، يقول معاون وزير الخارجية المصري السابق والخبير في القانون الدولي عبد الله الأشعل، إنّ  "كامب دافيد" فتحت مرحلة جديدة تماما على المنطقة كلها، كان الخاسر الأكبر فيها مصر.

ويقول "الأشعل" لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الاتفاق منح إسرائيل ابتداءً فرصة تحييد القاهرة بوصفها أكبر دولة عربية في الصراع العربي الإسرائيلي، وقزّمت هذا الصراع ليكون صراعا فلسطينيا إسرائيليا، كما منحتها وضعا طبيعيا في المنطقة وشرطي فيها بالوقت ذاته.

ويُبيّن أنّ الاتفاق استرد سيناء بشكل رمزي، لكنّه عمليا أخرج مصر من معادلات القوى العالمية، وعزلها في بيئتها الإقليمية.

وتبعًا لـ "الأشعل" فإن الاتفاق أطلق يد إسرائيل تجاه الفلسطيينيين، وصولا لما يعرض اليوم من تصفيات نهائية للقضية بما في ذلك الحديث عن صفقة القرن سابقا، والتي تنفذ اليوم بصمت وبعيدا عن الأضواء.

ويرى ضيفنا أنّ التخلص من "كامب دافيد" وما ترمز إليه فلا يكون بتمزيق الوثيقة أو الانسحاب منها، وإنما إعادة النظر فى ترتيبات السلطة وتغلغل إسرائيل في المنطقة.

حدّ النهاية

من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة، إنّ الاتفاقية وضعت نهاية لدور مصر الريادي في الدفاع عن قضية العرب الأساسية فلسطين، حتى وصل الأمر إلى أن الإسرائيلي لم يعد بحاجة لتأشيرة لدخول سيناء.

ويُردف "نافعة" لـ"وكالة سند للأنباء" أنّ الاتفاق شكّل حلقة مفصلية من حلقات الصراع العربي الإسرائيلي، إذ إن معظم الحلقات اللاحقة حملت هزائم متتالية للعرب، سواء في الواقع الجغرافي أو السياسي بالمنطقة، حتى وصلنا اليوم إلى ما يسمى بـ"الديانة الإبراهيمية".

ويتابع: "وقتها كان الإعلام الرسمي المصري يروّج لمقولة أن عصر السلام والازدهار بدأ في مصر، وكان رأيي أن السلام مع إسرائيل مستحيل، وأن عصر التفكك والهوان هو الذي بدأ".

ويلفت "نافعة" إلى أنّ اتفاقيات كامب ديفيد، تضمنت ورقتين: إطار عمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، وإطار عمل لعقد اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل.

وبموجب ذلك، بدأت دول عربية عديدة، تستغلّ الاتفاق كمدخل لتطبيعها مع الاحتلال، فأعقبه "واي ريفير" واتفاق "وادي عربة" بين الأردن وإسرائيل، ثم بعد ذلك توالت تباعا العلاقات بين إسرائيل ودول خليجية ومغربية.

وأُعلن عن اتفاقية التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات، في 13 أغسطس/آب 2020، تبعها  التوقيع على اتفاقيتي التطبيع بين الإمارات والبحرين، وإسرائيل، في 15 سبتمبر/أيلول من ذات العام، لتنضم لاحقا، السودان والمغرب لقطار التطبيع.