بالصور "غرفة 14".. معرض فني خرج من ظَلمة السجن إلى نور الحُريّة

حجم الخط
المحرر محمد العزيز عاطف
رام الله - فرح البرغوثي - وكالة سند للأنباء

لوحاتٌ وحروفيّات تحملُ بين ثناياها حُبّ الوطن والتمسّك بالقضية، تجعلُ من يراها يُدهشُ أمام جمالها وتفاصيلها، ويشهدُ على أن "النجاح يُولد من رحمِ الصعوبات، وأن الفن التشكيلي سلاحٌ بألفِ كلمة". 

في مدينة رام الله، زُيّنت جُدران مركز "خليل السكاكينيّ" الثقافي بـخمسين لوحة رَسمها الفنان التشكيلي والأسير المحرر محمد العزيز عاطف، خلال وجوده داخل الأسر، في مشهدٍ من مشاهد الإبداع الفلسطيني المَنحوت في ضِيقِ المكان، وسِعَة فلسطين.

 وعرضت اللوحات من 19 حتى 25 من أيلول/سبتمبر الماضي، في معرض حمل اسم "غرفة 14"، نسبة للغرفة التي كان يقبع بها الفنان ورسم معظم لوحاته داخلها. 

"اليوم نصنعُ الفن من أجل فلسطين والإنسانية، وغداً سنحسمُ بالدم حُريّات الشعوب"، من عُمِق هذه العبارة تحدّى "عاطف" أحلَك الظروف، مُنتجاً نحو 200 لوحة من الحروفيّات، التي مَزَج فيها بين الفن التشكيلي والخط العربي، بقلم حبرٍ جافّ، على ورق قهوة. 

تقرير 7.jpg
 

يقول "عاطف" ابن السادس والعشرين ربيعاً في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إن فكرة الرسم كانت إنقاذاً حقيقياً من مِقْصَلة السجن الهائلة، التي بقيّ فيها من تشرين الثاني/نوفمبر 2021- حزيران/ يونيو 2022.

ويضيف: "في السجن، يجب أن تفعل شيئاً ما حتى لا تبقى تحت مِقْصلة السجَّان ومخططاته لإخضاعك، يجب أن تهرب بطريقتك الخاصة تجاه أيّ مهرب، حتى تخرج من ماكينة السجن التي تهدف لقتلك نفسياً وفكرياَ؛ لذلك بدأت برسم الحروفيّات، فأنا أعمل من السابق في الفن التشكيلي والخط العربي". 

ويرى ضيفنا أن هذه اللوحات تحتوي على الكثير من الهُروب، لكنها في ذات الوقت تحملُ رسائل ليست عادية، مضيفاً:"هذه رسائلي في الحياة كإنسان، أعتقد أن أهم قضية على الأرض هي قضيتي الفلسطينية، وبالتالي كل ما يُسيرني في هذه الحياة هو شيءٌ يخدمها بطريقةٍ أو بأخرى".

قلمُ حبرٍ جافّ وأوراقٌ معتّقَة بالقهوة وليفة إسفنجية، هي الأدوات التي استخدمها عاطف في نَقشِ لوحاته، كان يقضي 12 ساعة من يومه وهو يرسم، يخترعُ عالمه الخاص في أقسى الأماكن وأكثرها جفاءً على الإطلاق، ويُنتج من اللاشيء شيئاً عظيماً ومُختلفًا. 

تقرير 8.jpg
 

يشرح "ضيف سند" عملية الرسم، مشيراً إلى أنه كان يُعدّ مشروب القهوة، ثُمّ يَفصلُ "الليفة" عن الإسفنجة، ويُعتقّ الورقة ناصعة البياض بالقهوة عبر تمرير الإسفنجة عليها، حتى يُصبح لونها بني، ثمّ ينتظرها حتى تجفّ، وفي اليوم التالي يبدأ بالرسم بقلمِ الحبر الجافّ.

وخلال فترة اعتقاله، خَطّ "عاطف" نحو 150 لوحة كهدايا لعائلات الأسرى، كانت تحملُ في طياتها عبارات الحُبّ والاشتياق، وزخرفة الأسماء، في محاولةٍ لتخفيف لَوْعة البُعد والاشتياق لأحبتهم. 

واستغرق العمل في بعض هذه اللوحات مُدّة يومين حتى أربعة أيام، وأخرى من أسبوعٍ لأسبوعين.

وبنبرة سعادة  يكمل حديثه لنا بالقول:""ردات فعل أهالي الأسرى على الحروفيّات، كانت تجعلني أرسم أكثر من ألفي لوحة دون أيّ تعبٍ وبراحةٍ نفسية كبيرة، هذا شيءٌ عظيمٌ ومُهم". 

وخطّ "عاطف" خمسين لوحة له بشكلٍ شخصي، واستطاع أن يُحَرّر مُعظمها من الأسر أثناء اعتقاله، على فتراتٍ مُتفرّقة، فبعد أربع محاولاتٍ باءت بالفشل، نجح بالمرة الخامسة بتحريرها. 

كان "عاطف" يحملُ قلمَه ويقضي وقته بالرسم هارباً من ظَلمة السجن، لكنه لم يكن يتوقع أن تُعرض أي من هذه الحروفيّات في معرضٍ خاص، وأن يتسمر أمامها كل من يراها متأملاً الإبداع الفلسطيني الذي خرج من حَيّز الممنوع. 

ويزيد:"بعد معانقتي الحُريّة، وجدتُ أصدقائي العظيمين جداً، مُحتفظين بأعمالي المُحرَّرة من السجّن ضمن إطارات خشبية، وينتظرون بفارغ الصبر والحماس من أجل تنظيم معرضٍ خاص لها". 

تقرير 1.jpg

تقرير 2.jpg
 

ونُظّم المعرض على مدار سبعة أيام، في مدينة رام الله، تحت اسم "غرفة 14"؛ نسبةً للغرفة التي رسم فيها "عاطف" غالبية لوحاته في سجن"عوفر"، لافتاً إلى أن أكثر لوحة يُحبّها هي "لوحة تحيا فلسطين حُرة". 

وينَوّه لوجود سبع لوحاتٍ في المعرض عانقت الحرية بعده، وكان يستقبلها بشوقٍ كبير، واصفاً ذلك بقوله:"كنت أستقبلها بالضبط وبكل صِدق كمُحرّرات، كما حُرّرت معها ورقة فارغة، من أجل خطّ رسمة ما بعد الحُريّة، وقد قام بعملها الفنان الكبير أ. سليمان منصور". 

وأهدى "عاطف" نجاح معرضه والإقبال عليه "للحركة الأسيرة الفلسطينية، والأسرى الذين كانوا معه في "غرفة 14"، ولجميع الأسرى الذين ساعدوه في عملية تعتيق الورق بالقهوة، وتوفير الأدوات الخاصة بالرسم، ولمن ساعده لتتحرر هذه اللوحات من الأسر. 

تقرير 3.jpg
 

اعتقال الفن.. والتحديات

وعند سؤاله عن التحديات التي واجهته، يجيب:"التحدي الأول تقني، يكّمن في المكان الذي أتواجد فيه، غرفة تحتوي على ثمانية أشخاص، كلٌ منهم يُريد أن يُمارس شيئاً ما". 

ويردف:"الطاولة الوحيدة بالغرفة كانت الصراع اليومي بيننا لكن دون وجود أي مشاحنات، على العكس كان هناك الكثير من التفاهم بيننا، وكنت أستخدمها لأكثر من 12 ساعة خلال اليوم". 

ويشير "ضيف سند" إلى أن "كافة التحديات مع الأسرى مقدورٌ عليها؛ الأسرى عظماء حقًا، لكن التحدي الأكبر، فهو مع إدارة السجن التي صادرت اللوحات، وحاولت منعي من الرسم بتدخلهم بأدقّ التفاصيل، والحديث المستمر مع المُكلفين من الأسرى". 

ويروي أن إدارة السجن كانت تقول للمُكلفين:"هذا الشاب الذي يرسم يجب أن يُطفئ النور وينام، ويتوقف عن الرسم"، لكن الأسرى كانوا يطمئنوا "عاطف" ويقولون له: "لا تقلق، استمر بالرسم". 

تقرير 6.jpg
 

13 لوحة صادرتها إدارة السجون من "عاطف"، استطاع إعادة لوحتين منهنّ عقب شهرين من المناوشات والمُطالبة المستمرة، كما أعاد رسم واحدة من جديد بإلحاحٍ شديدٍ من الأسرى. 

هذا عدا عمّا كان يعانيه من شُحّ بالأوراق والأقلام وانتظارها وقتاً طويلاً حتى تتوفر، ويسترجع "عاطف" بذاكرته العديد من المرات التي طال انتظار الأسرى للأوراق معه، حتى يخطّط لهم حروفيّات يُقدمونها هدايا لعائلاتهم في مناسباتهم المميزة.

أما على صعيد المعوّقات التي واجهته أثناء تنظيم المعرض، يوضح أنه رفض كافة أشكال الرعاية، ونظمه من الألف إلى الياء برفقة أصدقائه، مردداً: "كان هناك إقبال جميل، وفلسطين مليئة بالجمال".

ومستقبلاً، يُفكر "عاطف" بالاستمرار في مشروعه الفني، بالإضافة إلى كتابة السيناريو، والموازنة بينهما.

تقرير 5.jpg