تعمل عشرات النسوة مثل خلية نحل، في جنوبي قطاع غزة، في عجن دقيق القمح وتقطيعه وتسطيحه على شكل دوائر، قبل خبزه على نار الحطب، تمهيدا لتوزيعه على آلاف النازحين الفارين من جحيم الحرب المتواصلة على القطاع للشهر الرابع على التوالي.
ومع تباشير الصباح تتجمع تلك النسوة في فناء منزل تحول إلى "تكية"، حيث يقضين ثلث يومهن في عجن وخبز حوالي ربع طن من دقيق القمح يوميا، بينما يطبخ آخرون من الرجال في الجهة الأخرى حوالي 50 قدرا بالوجبات الأساسية.
مبادرات
وانتشرت في جنوب قطاع غزة مبادرات خيرية تعمل على تدشين مبادرات وتكيات لإطعام النازحين مع تدفق مئات الآلاف من سكان القطاع إلى مدينة رفح المتاخمة للحدود المصرية.
والتكية وصف يطلق على مطبخ يعمل في الأساس على إطعام الفقراء وهو أمر تكافلي قديم، وازدهر خلال الحرب الإسرائيلية المروعة على قطاع غزة المكتظ بالسكان.
تقول مسؤول التكية ميرفت مطر -بينما كانت تجمع رقائق الخبز من النسوة-: إن "هذه التكية تهدف بالأساس إلى مواجهة حرب التجويع التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا منذ بداية الحرب على غزة".
وتضيف مطر أنه مع تدفق مئات الآلاف من الأسرة إلى رفح عملت مع أخريين من أجل توفير تمويل من أهل الخير في داخل وخارج غزة لإغاثة الأسر التي نوعت قسرا عن منازلها وانتهى بها المطاف في رفح.
وتابعت أن "هؤلاء النازحون تركوا كل شيء وراءهم وأصبحوا يعيشون في مراكز الإيواء والخيام ولا يملكون من حطام الدنيا شيء هم وأطفالهم".
وتوضح أن التكية تعمل منذ أكثر من شهر وبإمكانات محدودة، ورغم ذلك تجح في توفير وجبة الغذاء لحوالي عشرة آلاف أسرة نازحة بشكل يومي.
ارتفاع الأسعار
وتشير إلى أن ألف وجبة توزع على الأسر النازحة وسط رفح، ويوزع الجزء الأكبر من الوجبات على الأسر النازحة التي تعيش في خيام في مناطق غرب المدينة.
ويواجه سكان غزة قفزة هائلة في تكاليف الغذاء القليل إن توفرا، وسط انعدام في وجود المواد الغذائية والطبية، وإن وجدت فإن تكلفتها تترك الكثيرين غير قادرين على شرائها.
وارتفعت أسعار الخضار والمواد الغذائية الأساسية، حيث شهدت بعض المواد زيادة بمقدار عشرة أضعاف أو أكثر.
وقال خليل قشطة -خلال تقليبه طعام الفاصولية الخضراء-: إنه يطبخ حوالي خمسين قدرا بالأكلات الأساسية مثل العدس والفاصولية والمعكرونة والمجدرة والأرز.
ويضيف قشطة (70 عاما) بينما كان يعمل في طبخ اللحوم والأرز لزبائنه أن أبرز المصاعب التي تواجه عمله نقص الحطب وعدم توفر غاز الطهي.
ويتابع "رغم ذلك نواصل عملنا ونشعل النار بالحطب الأخضر والبلاستيك من أجل تجهيز الطعام للنازحين، ونحرص على عدم إطعام الجميع".
وتسببت الحرب الإسرائيلية في نزوح أكثر من 1.9 مليون شخص من مناطق سكنهم في قطاع غزة، وسط دمار واسع ومروع قدرته السلطات المحلية في غزة والأمم المتحدة بأكثر من 60 % من المنازل السكنية والبنى التحتية.
ونصب النازحون عشرات آلاف الخيام على الرمال الصفراء قرب ساحل بحر رفح وفي الحقول الزراعية وساحات المؤسسات الحكومية والمؤسسات التي تعرضت للقصف الإسرائيلي أيضا.
خطر المجاعة والأوبئة
وفي وسط رفح لا يوجد موطئ قدما مع انتشار مئات الباعة على الأرصفة وتدفق النازحين لتلبية احتياجاتهم الضرورية مع استمرار ارتفاع الأسعار في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد على دخول الطعام والمواد الأساسية للحياة منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وقال حسام قشطة وهو يشير إلى عشرات أنابيب الغاز: "لو في غاز نستطيع طبخ ضعف الطعام الذي نعده يوميا. الناس محتاج لكثير حاجات، وكل ما نفعله هو نقطة في بحر الاحتياجات".
وأضاف قشطة الذي فقد تعليمة الجامعي جراء الحرب أن "فكرة المشروع جذبته خصوصا في ظل توقف الدراسة وأملا في المساهمة في خدمة الناس".
ويأمل الشاب الفلسطيني مثل جميع الفلسطينيين أن تتوقف الحرب على غزة وأن تسارع الدول العربية والإسلامية لدعم وإغاثة الشعب الفلسطيني، وقال "كل بيت في غزة بحاجة إلى المساعدة والعون في هذه الظروف المروعة".
ومع دخول الحرب شهرها الرابع أصبح خطر المجاعة والجفاف وانتشار الأوبئة ثالوث مرعب بالنسبة لسكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.
وقال الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة في بيان اليوم الاثنين "تشكل المجاعة والجفاف والأوبئة مثلث الموت الذي يحاصر 1.9 مليون نازح في أمكن الإيواء في غزة".
ودع القدرة الأمم المتحدة ومؤسساتها إجراء تدخلات عاجلة ومركزة لمنع الكارثة الصحية والإنسانية التي يتعرض لها النازحون.