زاد الاحتلال الإسرائيلي من تصعيد عملياته العسكرية والأمنية في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي، وشملت هذه العمليات مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، لكنها تركزت في جنين ونابلس وطولكرم.
وأسفرت هذه العمليات العسكرية في مدن الضفة المختلفة عن استشهاد نحو 604 وإصابة 5 آلاف و400 جريح بينهم 150 طفلاً، فيما تم اعتقال نحو 9 آلاف و955 حتى مساء أمس الاثنين.
ورافق هذا التصعيد الأمني تفاقم في الوضع الاقتصادي لسكان الضفة الغربية، بسبب تشديد الحصار على التجمعات الفلسطينية من خلال تكثيف الحواجز العسكرية، فضلاً عن تزايد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على القرى والبلدات الفلسطينية.
ويرى محللون في الشأن السياسي والإسرائيلي أنّ الاحتلال يسعى عبر اقتحاماته اليومية المتصاعدة؛ لاجتثات أي حالة نمو للمقاومة في مدن وقرى الضفة، لكن ذلك لم ينجح إلى الآن، بدليل ما نشهده اليوم وبشكل مستمر من عمليات إطلاق نار وطعن واشتباكات توقع خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي.
من جانبه، قال المختص في الشؤون الإسرائيلية من مدينة نابلس، الأكاديمي الدكتور عمر جعارة، في مقابلة خاصة مع "وكالة سند للأنباء"، إن التصعيد في الضفة الغربية ليس جديداً، خصوصاً منذ جاءت حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة الأخيرة التي تشكلت في 29 ديسمبر 2022.
وبين "جعارة" أن الاحتلال الإسرائيلي منذ احتلال فلسطين في عام 1948 لا يؤمن بالسلام أو التهدئة مع الفلسطينيين، "فهم يؤمنون جميعهم اليساري قبل اليميني المتطرف أنه لا حل مع الفلسطينيين غير الاجتثاث والطرد والإبادة".
وأكد أن الاحتلال بكل ممارساته الإجرامية وحرب الإبادة والتهجير التي ينتهجها سواء في الضفة أو في قطاع غزة لن يستطيع اقتلاع الشعب الفلسطيني وكسر مقاومته، مشيراً إلى أن ضحايا تصعيد الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية منذ الـ7 من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، وصلت إلى 7 آلاف فلسطيني بين شهيد وجريح في أقل من عام فقط، "وبالرغم من ذلك فإننا نرى المقاومة تتصاعد، وهذه الممارسات تزيد من صمود الشعب الفلسطيني".
ورأى "جعارة" أن كل أولئك الضحايا من الفلسطينيين في الضفة خلال أقل من عام بالرغم من عدم وجود صواريخ ولا أنفاق ولا أي عتاد عسكري يذكر مقارن بما في يد المقاومة في قطاع غزة، وبالرغم من ذلك نجد هذا العدد من الضحايا حتى بين الاطفال الذين وصل عدد الشهداء فيهم 150 طفلاً خلال 10 أشهر، فهذا يدلل على أن الاحتلال ينتهج ذات السياسة التي ينتهجها في قطاع غزة من إبادة وتهجير.
ولفت أنه من يعتقد أن الاحتلال سيقضي على المقاومة أو أن "يقتلعها" بكل ما يقوم به من تصعيد يومي مستمر فهو "واهم"، من يعتقد أن المقاومة "سترفع يوماً الراية البيضاء فهو خاطئ"، لأنه وفي ظل كل هذا الاضطهاد والعنصرية الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وبحماية من حكومة الاحتلال يجعل كل الشعب الفلسطيني يقف خلف المقاومة.
وبين الأكاديمي "جعارة" أن "من يعتقد انه سينتصر على حركة (حماس) أو أي فصيل مقاوم فلسطيني في الضفة الغربية أو قطاع غزة فهو أخطأ التقدير، ولذلك قال الرئيس الأمريكي جو بايدن أنتم لا تستطيعون الانتصار على (حماس) أو القضاء عليها كما ذكر مرارا وتكراراً".
وقال "جعارة" إن الاحتلال الإسرائيلي ومنذ الانتفاضة الأولى يعتبر الضفة الغربية "خاصرة ضعيفة له لحدودها الطويلة معه في كافة المدن"، وأضاف "الإعلام الإسرائيلي يذيع باستمرار أن دولة الاحتلال تنتظر الـ7 من أكتوبر، جديد في الضفة الغربية".
ولفت "صحيح أن المقاومة في الضفة ليست منظمة ومنظبطة كما هو حال المقاومة في قطاع غزة التي تصنف على أنها جيش مكون من كتائب وألوية موزعة على الجبهات، لكنها مع ذلك تُأرق الاحتلال الإسرائيلي، وهو يسعى بكل السبل القمعية لاجتثاثها والقضاء عليها".
وختم "جعارة" بالقول "الاحتلال الاسرائيلي غير مؤهل للسلام مع الفلسطينيين بأي شكل من الأشكال، ومهما حاول العالم، لأن إسرائيل لا تؤمن إلا بشيء واحد وهو إبادة كل الفلسطينيين أو خروجهم من فلسطين".
وبالتزامن مع الحرب المتواصلة على غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنين إسرائيليين اعتداءاتهم في أنحاء الضفة الغربية بشكل كبير، إذ نفّذ المستوطنون منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول حتى نهاية العام الماضي نحو 750 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف مناطق الضفة.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، فقد نزحت أكثر من 198 أسرة فلسطينية من نحو 15 مجتمعا رعويا بدويًا، وبواقع 1208 أشخاص منهم 586 طفلاً بسبب العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة بهدف إقامة بؤر استيطانية جديدة والتي ازدات خلال عام إلى نحو 24300 وحدة استيطانية جديدة.
من جانبه، قال المحلل السياسي والإعلامي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، عصمت منصور، في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الاحتلال يتّبع سياسة واضحة في الضفة تعتمد على ركيزتين أساسيتين هما "الاستيطان ونهب الأرض، وتضييق الخناق على المقاومة، من خلال تصفية المقاومين، فهذه الحكومة منذ جاءت في 2022 وهي تنتهج سياسة واضحة هدفها حسم الصراع وتهجير جديد للفلسطينيين".
وبين "منصور" أن سياسة حسم الصراع التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو، منذ اليوم الأول وضعت نصب عينيها العمل بشكل ممنهج على "إفقار الناس في الضفة، والضغط باتجاه تهجيرهم من خلال التصعيد العسكري وتصعيد هجمات المستوطنين المدعوم والمحمي من قبل الحكومة الإسرائيلي".
ورأى أنه "مع كل ذلك التصعيد أنا أعتقد أن الاستمرار في هذا النهج سيقود إلى تفجر الأوضاع في الضفة الغربية"، ولفت إلى أن "الاحتلال يعتقد بسياسته القمعية أنه يقتلع المقاومة، على العكس ما يحصل من خلال هذه الممارسات القمعية والعنصرية، وهو تحويل الشعب الفلسطيني كله للمقاومة والوقوف خلف المقاومة".
وأكد "منصور" أن "حكومة نتنياهو حريصة على أن لا يتم فتح جبهة ثالثة في الضفة بعد جبهة غزة في الجنوب وجبهة لبنان في الشمال، لذلك هي تحاول بكل قوتها تنفيذ عمليات اغتيال واسعة للمقاومين، وتضييق الخناق على المواطنين ومنعهم من التحرك من خلال زيادة الحواجز الأمنية وتشديد الإجراءات الأمنية وحملة الاعتقالات الواسعة التي وصلت حصيلتها منذ 7 من أكتوبر الماضي إلى أكثر من 9 آلاف معتقل إداري في الضفة وهو رقم كبير".
وختم بالقول إن "الأمور في الضفة أعتقد أنها لا يمكن أن تبقى في سياق رد الفعل في ظل كل هذا الاحتقان من ممارسات جيش الاحتلال والمستوطنين والاعتداءات والاعتقالات والاغتيالات، كله يدفع لحالة غليان، لكن لا نعلم كيف ومتى ستنفجر".
وأشار إلى أن "الشعب الفلسطيني في الضفة أصبح يقيناً يرى أنه مهدد في جوده ومهدد في حياته ومهدد في رزقه، وهذا كله يهيء أرضاً خصبة يدفع الناس للأنفجار لأنه سيكون الخيار الأخير أمامهم".
وبالتزامن مع كل هذا التصعيد المتزايد، زادت وتيرة عمليات المقاومة في الضفة الغربية ونوعيتها، منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي، إذ شهدت الضفة الغربية عمليات مقاومة متنوعة ونوعية شملت إطلاق نار، وعمليات طعن، واشتباكات مسلحة، وتفجير عبوات ناسفة بآليات جيش الاحتلال، أدت لمقتل وجرح عشرات من الجنود والمستوطنين.
من جانبه، قال الإعلامي والخبير في الشأن الإسرائيلي، ياسر منّاع، في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء" إن الاحتلال الإسرائيلي يرى في الضفة الغربية أنها جزء من المعركة التي يخوضها على عدة جبهات.
وتابع القول "وبالتالي فإن المعارك لا تتجزأ ولا يمكن الفصل بين ما يجري في غزة وما يجري في الضفة لا من جانب الفلسطينيين في الضفة الذين يعتبرون أن غزة والضفة واحد والاحتلال هنا وهناك واحد وبتالي ردة الفعل واحدة، ولا من جانب الاحتلال الإسرائيلي الذي يرى الفلسطينيين كلهم واحد سواء في الضفة أو غزة ويتعامل معهم جميعاً بنفس النهج المعتمد على القمع والإبادة".
وبين "منّاع" أنه وبالتزامن مع الحديث عن محاولة الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار على غزة، يحاول الاحتلال الإسرائيلي جاهداً إيقاف كافة أشكال المقاومة في الضفة الغربية والعمل على إنهائها بعمليات الاغتيال والاعتقال والقمع المفرط.
وأشار إلى أن وتيرة الأعمال العسكرية القمعية في الضفة تزايدت منذ عام 2021، فمنذ ذلك الوقت وهنال زيادة في الاعتقالات والاقتحامات والاغتيالات والاشتباكات وبالتالي الأمر ليس بالجديد.
وقال "صحيح أن الأمر يعتمد على وقع العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون كرد فعل على التضييق والاستيطان واعتداءات المستوطنين، فمثلا في طولكرم وقعت اكثر من عملية تفجير ضد جيش الاحتلال استدعت هذه الكثافة من الهجوم على المدينة، أما في نابلس وجنين مثلا فمستوى اقتحامات جيش الاحتلال وعملياته أقل حدة".
ورأى "منّاع" إن الاحتلال الإسرائيلي "لا يريد أن تكون الضفة الغربية ساحة مواجهة ساخنة ورئيسية في المرحلة الحالية رغم أنها اليوم قد ترقى إلى كذلك، لكن لا أعتقد أننا سنصل إلى انتفاضة شعبية في الضفة كما الأولى والثاني، فالأحداث اختلفت والوقائع مختلفة، أعتقد أن الأحداث وتصاعدها سيبقى بهذا النمط الذي عليه الآن".
بدوره، قال منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، أدان تور وينسلاند، في تصريحات، مطلع الأسبوع الجاري، إن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي ما زال محركا للصراع في الضفة الغربية بما يزيد ترسيخ الاحتلال ويقوض حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
وجدد "وينسلاند" التأكيد على أن جميع المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي. وحث السلطات الإسرائيلية على وقف جميع الأنشطة الاستيطانية والامتناع عن الأعمال الاستفزازية.
وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، بيتر ستانو، في تصريحات له، السبت، إن خطط التوسع الاستيطاني رافقها ارتفاعٌ لعنف المستوطنين في الأراضي المحتلة، وأوضح أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة سجل أعلى عدد من حوادث العنف من قبل المستوطنين في العام الجاري
من جانبها، قالت منظمة العفو الدولية، في بيان لها مطلع الشهر الجاري، إنَّ التصاعد المقلق في العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية في الأيام الأخيرة، إنما يُظهر الحاجة الماسة لتفكيك المستوطنات غير القانونية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتفكيك نظام الأبارتهايد طويل الأمد.
وتحقق مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية من مقاطع فيديو تُظهر أنَّ القوات الإسرائيلية كانت حاضرة ولم تتدخل أثناء الهجمات التي شنّها المستوطنون في دير دبوان شرق رام الله. كما تُشير إفادات شهود العيان التي جمعتها المنظمة إلى أن عناصر من الجيش الإسرائيلي انضموا إلى الهجمات أو وقفوا متفرجين، ولم يمنعوا أعمال عنف المستوطنين في عقربا جنوب شرق نابلس، وفي كفر مالك شمال شرق رام الله.
وكانت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ممنهجة بالفعل، ولكنها ازدادت منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. وأدى عنف المستوطنين إلى تهجير نحو 20 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا منذ ذلك الحين.
وقالت الأمم المتحدة، الأحد، إن أكثر من 500 فلسطيني ربعهم من الأطفال، استشهدوا في الضفة الغربية والقدس منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة أنه منذ 7 أكتوبر استشهد أكثر من 500 فلسطيني ربعهم تقريبا من الأطفال، في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وأضاف أن الغالبية العظمى منهم قتلوا على يد القوات الإسرائيلية، بينما قتل المستوطنون الإسرائيليون 10 آخرين.