قال موقع The Cradle الإخباري الدولي، إن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير مليوني فلسطيني من غزة إلى الأراضي العربية كشفت عن أجندة التطهير العرقي الأميركية الإسرائيلية، لكنها مصممة بشكل مدروس كتهديد للضغط على الدول العربية لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال.
وأشار الموقع إلى أن ترامب أشعل الجدل العالمي باقتراحه تهجير مليوني نسمة من سكان قطاع غزة - وهي فكرة متطرفة لدرجة أنها بدت وكأنها فاجأت حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال الموقع إن الاقتراح، الذي من شأنه أن يرقى إلى مستوى التطهير العرقي في غزة، يتصور تحويل القطاع إلى " ريفييرا الشرق الأوسط " الفاخرة. وهو لا يبرز فقط الاستخفاف المستمر بأرواح الفلسطينيين وتضحياتهم، بل ويؤكد أيضاً على الدعم الحزبي العميق للمشروع الصهيوني في الدوائر السياسية في واشنطن.
فعلى مدى 75 عاما، قاوم الفلسطينيون الجهود الرامية إلى محو وجودهم من وطنهم التاريخي. والآن، بعد 15 شهرا من الحرب، أجبرت قدرة غزة على الصمود دولة الاحتلال على الاعتراف بحقيقة جديدة في ساحة المعركة.
ومع ذلك، يهدف اقتراح ترامب إلى تفكيك هذا التحدي، وتأطير التطهير العرقي باعتباره فرصة استثمارية مع ترسيخ التنسيق بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" على حساب الدول العربية.
وما يجعل هذه اللحظة مثيرة للقلق بشكل خاص هو الطريقة التي وضع بها ترامب نفسه كمهندس لإعادة تنظيم إقليمي شامل.
ومحاولة ترامب لتغليف النزوح الجماعي كجزء من مبادرة "السلام" تكشف عن استراتيجية أوسع: الضغط على الدول العربية لتبني اتفاقيات إبراهيم لعام 2020 بالتطبيع مع "إسرائيل" مع تهميش القضية الفلسطينية تماما.
خطة "مجنونة"
حتى في الولايات المتحدة، رفض كثيرون اقتراح ترامب بنقل مليوني نسمة من سكان غزة باعتباره فكرة "مجنونة". ومع ذلك، ترددت موجات الصدمة بشكل صاخب في الأردن ومصر، مما أثار مخاوف لم نشهدها منذ عقود بشأن التهجير القسري للفلسطينيين.
ووبخت المملكة العربية السعودية واشنطن بشدة. وفي مقال له بصحيفة عكاظ السعودية، انتقد عضو مجلس الشورى السعودي يوسف بن طراد السعدون: "إذا كان (ترامب) يريد حقًا أن يكون بطل السلام وتحقيق الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط فعليه نقل الإسرائيليين الأعزاء إلى ولاية ألاسكا ثم إلى جرينلاند بعد ضمها".
وبالنسبة للفلسطينيين ومعظم العالم، بدت خطة ترامب وكأنها محاولة لكسر حركة المقاومة في غزة، حماس، التي لم تصمد بعد 15 شهرًا من الحرب المتواصلة في وجه آلة الحرب الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة فحسب، بل فرضت شروطها الخاصة على سيناريو "اليوم التالي".
وقد خرجت حماس من الخنادق ببنادق مرفوعة، مما أجبر الاحتلال على الاعتراف بقوتها في مفاوضات تبادل الأسرى.
في الأسبوع الماضي، كان مشهد وقوف ترامب ونتنياهو جنباً إلى جنب في البيت الأبيض سريالياً ومزعجاً.
فقد ناقش ترامب، الذي أدين بارتكاب جرائم جنائية متعددة، ونتنياهو، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، مستقبل غزة وشعبها بلا مبالاة مذهلة. وحتى نتنياهو بدا وكأنه فوجئ بتطرف رؤية ترامب للاستيلاء بقيادة الولايات المتحدة على الأراضي الفلسطينية.
"صفقة العقارات" في القرن العشرين
إن وصف ترامب لقطاع غزة بأنه "صفقة عقارية" يشكل محاولة جريئة لتجريد الدول العربية من نفوذها السياسي المتبقي. والآن يتم دفع السعودية، التي سعت منذ فترة طويلة إلى الحفاظ على مظهر الالتزام بحل الدولتين، إلى موقف يقوض موقفها الدبلوماسي.
ويبدو أن التأكيدات المتكررة من الرياض بأن الدولة الفلسطينية شرط أساسي للتطبيع مع "إسرائيل" تتعارض بشكل متزايد مع الرسائل الأميركية والإسرائيلية.
وقد صعد ترامب من هذه الضغوط بزعمه أن السعودية تسعى إلى السلام مع إسرائيل دون اشتراط إقامة دولة فلسطينية. وسرعان ما عزز نتنياهو هذا الادعاء بلهجة ساخرة، فأشار إلى أن السعوديين "يمكنهم إنشاء دولة فلسطينية في المملكة فهم يملكون الكثير من الأراضي هناك".
إن هذا التنسيق الأميركي الإسرائيلي يسلط الضوء على اتجاه خطير: تكثيف الضغوط على السعودية، التي قاومت حتى الآن كل دعوات التطبيع من جانب الولايات المتحدة.
ونظرا لدورها الرمزي والاستراتيجي في العالم الإسلامي، فإن الرياض تواجه معضلة محفوفة بالمخاطر. فالتحرك نحو التطبيع دون تأمين الدولة الفلسطينية قد يكون مقامرة بشرعية عائلة آل سعود الحاكمة.
وفي الوقت نفسه، يجد الأردن، الذي يعاني من الضعف الاقتصادي، نفسه في وضع أكثر إثارة للحسد.
فقد طرح ترامب الأردن ومصر كوجهتين محتملتين للنازحين الفلسطينيين، الأمر الذي أثار نشاطاً دبلوماسياً محموماً داخل مثلث القاهرة-الرياض-عمان.
لكن كما أثبت التاريخ فإن ردود الفعل الدبلوماسية العربية تأتي في كثير من الأحيان متأخرة للغاية. ومن المقرر عقد قمة عربية " طارئة " لمعالجة الأزمة في السابع والعشرين من فبراير/شباط، وهو جدول زمني لا يعكس بأي حال من الأحوال أي شعور بالإلحاح.
وبحسب ما ورد، حذرت القاهرة، التي تخشى من مؤامرات ترامب، واشنطن وحلفاءها الأوروبيين وتل أبيب من أن معاهدة السلام التي مضى عليها خمسون عاما مع "إسرائيل" معرضة للخطر إذا ما استمر التهجير القسري.
وذهب وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى أبعد من ذلك، حيث وصف أي محاولة لنقل الفلسطينيين بأنها "إعلان حرب".
لكن على الرغم من الخطاب القاسي، تظل القاهرة وعمان عرضة للخطر. وقد تدفع قدرة ترامب على التلاعب بالمساعدات المالية كوسيلة ضغط الأردن إلى اعتماد أعمق على السعودية. وفي الوقت نفسه، تواجه مصر، التي تخوض بالفعل أزمة اقتصادية، مأزقا مماثلا.
وعلى الصعيد الدولي، أثار اقتراح ترامب إدانة واسعة النطاق. فمن الأمم المتحدة إلى العواصم الأوروبية، وموسكو وبكين والجنوب العالمي، لم يحظ اقتراحه بشأن غزة بدعم كبير.
حتى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سخر من الخطة، مقترحا أنه إذا كان ترامب حريصا على الترحيل، فعليه إرسال الإسرائيليين إلى جرينلاند بدلا من ذلك، "حتى يتمكنوا من قتل عصفورين بحجر واحد"، في إشارة إلى تعليقات ترامب بشأن الاستحواذ على الأراضي الدنماركية.
ورغم أن ترامب حاول التقليل من أهمية خطته في مواجهة الانتقادات المتزايدة، ووصفها مؤخرا بأنها "غير عاجلة"، فإن الضرر قد وقع بالفعل. فقد وصف خبراء قانونيون الاقتراح بأنه "جريمة حرب"، وهو عمل مدروس من أعمال التطهير العرقي يتنكر في هيئة فرصة استثمارية.
وإن الدول العربية بحاجة إلى التحرك بما يتجاوز مجرد التصريحات الدبلوماسية. إذ أن التعاون المنسق مع العواصم الأوروبية وموسكو وبكين والعالم الإسلامي الأوسع نطاقًا أمر بالغ الأهمية لمواجهة مخطط ترامب-نتنياهو، الذي يتوق اليمين الإسرائيلي إلى تنفيذه.
لقد أصبحت غزة الآن في حالة خراب، نتيجة للدمار الذي أحدثته آلة الحرب التي يرأسها نتنياهو، في غياب أي إدانة أميركية. ولكن بدلاً من المساءلة، يقدم ترامب فصلاً جديداً من التشريد والتطبيع، وهي سياسة من شأنها أن تعيد تشكيل المنطقة على نحو يتردد صداه لأجيال.