ربطت دولة الاحتلال وقف العملية العسكرية الإسرائيلية الموسعة التي شنتها قبل أيام؛ مخترقة بها المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بتسليم حركة "حماس" للأسرى الإسرائيليين من الجنود المتبقين بحوزتها.
مختصون وخبراء في الشأن الإسرائيلي أكدوا أن عملية التسليم "لن تحل معضلة العدوان"، وأن "إسرائيل ستناور فقط لأجل بقاء وجودها العسكري الدائم في مناطق القطاع".
ونبه المختصون في تصريحات خاصة لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أنّ "عملية التسليم لن تسحب الذرائع على اعتبار وجود أهداف إسرائيلية معلنة أساسًا؛ من أبرزها القضاء على حماس".
يضاف إليه، تبعًا للمختصين؛ الحلم اليميني المتطرف باستكمال ما يسمى بـ "حرب الهيكل الثانية"؛ التي تستهدف ترحيل السكان الفلسطينيين؛ وعلى رأسهم سكان القطاع.
ويصف المختصون، فكرة تسليم الأسرى مقابل الغذاء بـ "الجنونية والانتحارية". مؤكدين أن الحرب الإسرائيلية يجب أن تتوقف ضمن مسار تفاوضي يلزم "إسرائيل" باستحقاقات وقف إطلاق النار.
"مرونة" حماس وانقسام "إسرائيل"..
بدوره؛ يقول جمال زحالقة، العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي، إن حركة حماس تبدي مرونة في العديد من القضايا خلال مفاوضات وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، لكنها لن تتنازل عن بعض المبادئ الأساسية التي تراها غير قابلة للتفاوض.
وأشار زحالقة إلى أن حماس تريد ضمانات قوية لوقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من غزة، بالإضافة إلى إعادة الإعمار.
وأضاف: "إسرائيل، من جهتها، ترفض هذه الشروط وتصر على استمرار الحرب". مشيرًا إلى أن بنيامين نتنياهو يتحكم بشكل كامل في القرارات السياسية والعسكرية، وأن الحكومة الإسرائيلية بأكملها تخضع لسيطرته.
وأكد أن المجتمع الإسرائيلي منقسم حول استمرار الحرب، حيث تعارض غالبية الإسرائيليين مقتل عدد كبير من الجنود واستمرار أزمة المحتجزين (أسرى الاحتلال).
ونوه "زحالقة" إلى أن جهود الوساطة التي تقودها مصر وقطر مستمرة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.
وأوضح أن حماس لم ترفض المقترحات المطروحة، لكنها تسعى للحصول على ضمانات حقيقية لوقف الحرب بشكل دائم. موضحًا: "قطر ومصر تسعيان لتحقيق إنجازات سياسية تمكنهما من تعزيز مواقعهما الإقليمية".
ونبه "زحالقة" إلى أن الدول العربية "تمتلك وزنًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا" يمكن أن يؤثر بشكل كبير على مسار الأحداث، لكنها لا تستخدم هذا النفوذ بشكل كافٍ.
وذكر أن العالم الإسلامي ككل يمتلك قوة كبيرة يمكن أن تؤثر على الموقف الدولي، لكنه لاحظ أن الولايات المتحدة، رغم دعمها المالي والسياسي لـ "إسرائيل" لا تمتلك القدرة على إجبارها على وقف الحرب.
نتنياهو يُقدم الحرب على الانتخابات..
وأوضح زحالقة أن نتنياهو يسعى لاستمرار الحرب لأسباب سياسية داخلية، حيث يريد تعزيز موقفه السياسي وإعادة تماسك ائتلافه الحكومي. لافتًا النظر إلى أن نتنياهو يتحكم بشكل كامل في القرارات الإسرائيلية، وأنه لا يريد إجراء انتخابات مبكرة أو تشكيل لجان تحقيق حول الحرب.
وفي ختام حديثه، تساءل "زحالقة" عن كيفية وقف نزيف الدم في شهر رمضان، مؤكدًا أن هناك جهودًا كبيرة تبذل لإيجاد حل للأزمة. وأعرب عن أمله في أن تتوقف الحرب قريبًا، خاصة مع استشهاد مئات الأطفال والمدنيين في غزة.
وأكد أن حماس مستعدة للتخلي عن الحكم في غزة، لكنها تريد رؤية ضوء في نهاية النفق يتمثل في وقف الحرب بشكل دائم وانسحاب إسرائيلي كامل وإعادة إعمار القطاع.
معضلة "إسرائيل" الكبيرة..
من جهته؛ أكد الخبير في الشأن الإسرائيلي، أليف صباغ، أن ما تبقى من المحتجزين الإسرائيليين في غزة هم من الجنود، مما يضع "إسرائيل" في معضلة كبيرة بسبب الأهمية البالغة للجنود في المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية.
وأشار "صباغ" إلى أن عائلات المحتجزين (الأسرى) بدأت ترفع نغمة جديدة في المظاهرات والمقابلات الإعلامية، مشيرة إلى وجود تمييز ضد الجنود والشباب، مما يزيد الضغط على الحكومة الإسرائيلية.
وأضاف: "هذه المظاهرات تتلقى دعمًا من المحتجين ضد إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، والانقلاب على الجهاز القضائي، مما يعكس حالة من الغليان الداخلي في إسرائيل".
وتابع: "ورغم أن هذا الضغط لم يصل بعد إلى درجة التأثير المباشر على قرارات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلا أنه موجود وقد يتصاعد في الفترة القادمة".
الحرب الأهلية والدولة العميقة..
وحذر من أن نتنياهو يسعى إلى السيطرة على "الدولة العميقة" في "إسرائيل"، مما يجعل البلاد أكثر تطرفًا وفاشية وعنصرية.
وأكمل: "هذه السياسات قد تؤدي إلى ردود فعل عنيفة داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي بدأ يظهر علامات استياء من التوجهات المتطرفة للحكومة".
وأكد أن رئيس المحكمة العليا السابق، أحد أهم الأيديولوجيين الصهاينة، حذر من أن "إسرائيل" على عتبة حرب أهلية بسبب هذه السياسات.
وبيّن الخبير في الشأن الإسرائيلي أن "إسرائيل قد تطلب ثمناً أكبر في أي اتفاق مستقبلي لوقف الحرب". مشيرًا إلى أن الادعاء الإسرائيلي جاهز دائمًا لتصوير أي اتفاق على أنه انتصار لـ "إسرائيل".
وأكد أن الضغط على حماس لن يتوقف، وأن "إسرائيل" ستستمر في محاولة نزع سلاح الحركة وتهجير قياداتها، مما قد يؤدي إلى انهيار الوضع في غزة وزيادة المعاناة الإنسانية.
"إسرائيل" مطمئنة..
وأشار صباغ إلى أن "إسرائيل" تشعر بالاطمئنان بسبب عدم اتخاذ محكمة الجنايات الدولية إجراءات فعلية ضدها، خاصة مع الضغوط الأمريكية على المحكمة.
وأكد أن عقيدة القوة التي يقودها نتنياهو، مدعومة بإدارة أمريكية متطرفة، "تشجع إسرائيل على مواصلة حربها دون خوف من المحاسبة الدولية".
وشدد على أن الرأي العام الإسرائيلي منقسم حول استئناف الحرب، حيث أظهر استطلاع حديث أن 53% من الإسرائيليين يؤيدون استئناف العمليات العسكرية.
ومع ذلك، أشار إلى أن هناك تيارًا داخل الجيش الإسرائيلي يرفض العودة إلى القتال، مما يعكس حالة من التضليل الإعلامي والسياسي حول الواقع الميداني.
واختتم صباغ تحليله بالتأكيد على أن نتنياهو يتحكم بشكل كامل في القرارات الإسرائيلية، مستخدمًا عقيدة القوة والفاشية لدفع "إسرائيل" نحو مزيد من التطرف.
وحذر من أن "استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى انهيار داخلي في إسرائيل، خاصة مع تصاعد الاحتجاجات ورفض جزء من المجتمع الإسرائيلي لهذه التوجهات".