مراحل كارثية من الجوع وسوء التغذية، وصل إليها سكان قطاع غزة، بفعل اشتداد الحصار الإسرائيلي الوحشي، واستمرار إغلاق المعابر، وهو ما خلق نقصًا شديدًا وغير مسبوق في المواد الغذائية المنقذة للحياة في القطاع.
المجاعة طالت مختلف الفئات، فيما كانت آثارها على الأطفال أشد وأبلغ، فحصدت أرواح أكثر من 71 طفلًا، لم يجد أهاليهم ما يسدون به رمقهم، أوما يساعدهم للبقاء على قيد الحياة، فيما بلغ عدد الشهداء بسبب نقص الغذاء والدواء أيضا أكثر من 620 شخصا.
مشاهد مؤلمة، وثقتها الكاميرات، تظهر أطفالا ونساء وشيوخا يعانون من الجوع والهزال وبعضهم يسقطون أرضًا في الشوارع، وسط مشاهد الخراب، في وقت تتصاعد المطالب الشعبية والحقوقية بتدخل عاجل لفتح المعابر والسماح بإدخال الغذاء.
وفي ظل هذا الواقع الأليم، اضطر البعض لتناول الماء والملح، في محاولة لإسكات صرخات المعدة، وتخفيف الشعور بالجوع.
وانتشرت مقاطع مصورة للعديد من سكان القطاع، يخلطون الماء بالملح ويتناولونه مُجبرين على معدة فارغة، عقب عجزهم عن توفير أيّ من أنواع الغذاء.
وكتب إسلام إسلام عبر صفحته على فيسبوك يسأل: "مين بعرف طرق استخدام الملح والماء في حالات المجاعة للبقاء على قيد الحياة، ولكن بالطريقة الصحيحة، ما قدرنا اليوم نتحمل الملح، لكن سمعت كثير بستخدموه، اللي عنده تجربة بجد يحكيلنا.. بدأت أعراض المجاعة علينا بشكل واضح وصريح من صداع ووجع عيون وعدم القدرة على المشي وقيء ماء واصفرار الوجه وضعف عام وهزل..".
فيما كتب الفنان أشرف أبو خوصة: "غزة تموت جوعا.. مرحلة الملح والماء.. لم نضرب عن الطعام.. بل الطعام هو من أضرب عنا".
وكتب مهند يوسف: أعلِنها اليوم: سنأكل الماء والملح… أنا وأطفالي، لم يتبقَّ شيء… لا خبز، لا طعام، ولا حتى وعدٌ بقادمٍ أفضل.. أطفالي ينظرون إليّ كل صباح بعيون جائعة، وأنا لا أملك سوى الماء وبعض الملح.. لهذا أعلنها اليوم.. سنبقى على قيد الجوع، وسنأكل الماء والملح فقط... ليس لأننا نريد، بل لأننا لا نملك شيئًا آخر.
ساعدونا إن استطعتم… فإن لم يصل الخبز، سيموت الصغار قبل أن يسمع العالم صراخهم.
هل يكفي؟
والسؤال الذي يشق القلوب ويشغل الأذهان وسط هذه المأساة المركبة، ما الذي يمكن لشرب الماء والملح أن يفعله في حالات الجوع الشديد؟، وهل يمكن أن تكون له انعكاسات خطيرة على الجسم؟
ولتسليط الضوء على ذلك؛ لجأنا لاختصاصي أمراض الجهاز الهضمي والكبد الطبيب قصي عبده، ولأخصائية التغذية سجى ناصر، في محاولة للإجابة على سؤال بات مطروحا في شوارع غزة.
ويعتبر الطبيب قصي عبده، في حديثه لـ وكالة سند للأنباء، أن خليط الماء مع القليل من الملح قد يخفف الإحساس بالجوع مؤقتًا، لأنه يعوّض جزئيًا نقص الصوديوم ويمنع الجفاف، لكنه لا يحتوي على سعرات حرارية أو عناصر غذائية أساسية.
لكن عبده حذر من أن الاستخدام المفرط للملح دون غذاء يجهد الكلى، ويزيد من خطر الجفاف، خاصة في غياب الماء النظيف أو الطعام الذي يعوض الأملاح المفقودة.
وأوضح أن الإنسان يمكنه العيش على الماء فقط لعدة أسابيع، تتراوح بين 3–6 أسابيع، لكن ذلك يسبب ضعفًا شديدًا، أما مع الملح فقط فالأمر قد يصبح خطرًا أسرع بسبب اختلال التوازن الكهربي في الجسم.
وشدد الأخصائي عبده أن قلة التغذية تؤدي إلى ضعف التركيز والدوخة والهلوسة، إضافة إلى بطء نبضات القلب وضعف الضخ، عدا عن ضمور في العضلات وانهيار المناعة وخلل في الوظائف الحيوية.
وحث من لا يجدون الطعام على شرب ماء نظيف بقدر الإمكان لتجنب الجفاف، والاعتماد على أي مصدر بسيط للطاقة مثل التمر أو الحبوب أو الزيوت إن توفرت، وتجنّب النشاط البدني الزائد للحفاظ على الطاقة، واللجوء للدعم المجتمعي أو المؤسسات الصحية في حال ظهور علامات الضعف الشديد.
وختم الطبيب عبده حديثه بالتأكيد أن المجاعة خطر حقيقي يهدد الحياة، وأنه يجب دعم غزة إنسانيًا وصحيًا بكل الوسائل.
الماء النظيف عملة نادرة
ويواجه السكان في غزة صعوبة الحصول على مياه نظيفة وصالحة للشرب، بعدما دمر الاحتلال متعمّدًا 720 بئر مياه وأخرجها عن الخدمة، وهو ما أدى إلى حرمان أكثر من مليون وربع المليون إنسان من الوصول إلى المياه النظيفة"، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي.
ونبّه المكتب، في بيان له، أن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال 12 مليون لتر من الوقود شهرياً، وهي الكمية اللازمة لتشغيل الحد الأدنى من آبار المياه ومحطات الصرف الصحي وآليات جمع النفايات وباقي القطاعات الحيوية، وهذا المنع تسبّب في شلل شبه كامل في شبكات المياه والصرف الصحي، وفاقم من انتشار الأوبئة، خاصة بين الأطفال.
ومنذ 23 يناير/ كانون الثاني، قطع الاحتلال مياه "ميكروت" –آخر المصادر الأساسية التي تغذي محافظات غزة بالمياه– مما ضاعف من مأساة العطش والمعاناة اليومية.
وفي 9 مارس/ آذار الماضي، قطع الاحتلال آخر خط كهرباء كان يغذي آخر محطة تحلية للمياه المركزية وتقع جنوب دير البلح وسط قطاع غزة، ما أوقف إنتاج كميات كبيرة من مياه الشرب، وزاد من تفاقم الأزمة المائية الخانقة.
انعكاسات صحية خطيرة
بدورها، ترى أخصائية التغذية سجى ناصر أن الماء والملح مفيد فقط لمنع تعفن الأمعاء والتصاقها، وليس له أية فوائد أخرى.
وأشارت ناصر لـ وكالة سند للأنباء، أن الإكثار من تناول الملح يمكن أن يؤدي لمشاكل ارتفاع ضغط الدم ومشاكل في الأوعية الدموية والقلب، لكن الخطورة تقل في الحالة التي يعايشها سكان غزة، كونهم لا يتناولون تقريبا أية وجبات أخرى.
وشددت على أنه لا يمكن الاعتماد على الماء والملح كمصدر للبقاء على قيد الحياة، وأنه لا بد من الضغط لتوفير الطعام الكافي والصحي.
وحذر المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة من دخول القطاع في مرحلة موت جماعي، مع استمرار الحصار الإسرائيلي الكامل منذ أكثر من 140 يومًا، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية، بما في ذلك حليب الأطفال والوقود والدواء.
وأوضح "الإعلامي الحكومي" في بيانٍ تلقته "وكالة سند للأنباء"، اليوم الأحد، أن ما يجري في غزة يمثل إبادة جماعية ممنهجة تطال أكثر من 2.4 مليون إنسان، بينهم 1.1 مليون طفل، وسط صمت دولي مطبق وعجز المجتمع الدولي عن وقف المجازر والتجويع الجماعي.
وأشار البيان إلى أن جميع المعابر لا تزال مغلقة بشكل تام، في وقت تشهد فيه غزة نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، واستمرارًا في سياسة التجويع، ما ينذر بحدوث أكبر مجزرة جماعية في التاريخ الحديث.
ويواجه سكان قطاع غزة موجة جوع فعلية منذ إغلاق الاحتلال معابر غزة، مطلع مارس/ آذار المنصرم، وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والوقود والدواء للقطاع؛ ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة منذ 21 شهرًا.
ومع مرور الوقت، استنفد سكان غزة كل موارد الطعام وأصبحت المحلات فارغة، ومسألة العثور على رغيف خبز أشبه بالمستحيل، فيما تشهد أسعار المتوفر من البضائع أسعارًا خيالية بالسوق السوداء بشكلٍ لا يمكن الفلسطينيين المجوّعين الحصول عليه.
وحذرت وزارة الصحة الفلسطينية من "احتمال تعرض مئات المجوّعين الفلسطينيين للموت، عقب تدفق أعداد غير مسبوقة إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات بحالتي إعياء وإجهاد شديدين".
