وجهها شاحب، عيناها نصف مغمضتين، وجسدها لا يكاد يُرى من شدّة الهزال. الطفلة نغم العايدي لا تبكي من الجوع، بل تصمت، كأنّها اعتادت ألّا تأكل، لا تستطيع أن تجلس، ولا أن تنطق، ولا أن تُمسك شيئًا بيديها، منذ ولادتها وهي تعيش بإعاقة كاملة، لكن الحرب لم تكتفِ بتركها في العجز، بل أهدتها مجاعة تُذيب جسدها الصغير كما يذوب الملح في الماء.
في حضن أمها تبدو كعصفور تكسّرت أجنحته، بالكاد تُمسكها دون أن تتألم، بالكاد تُرضيها بلقمة، وزنها لم يتجاوز 11 كيلوغرامًا، لم يزده طعام، ولم تُنقِصه سوى الأيام.
تتحدث الأم بوجهٍ لا يُخفي الهزيمة: "ما عندها علاج، ما بتاكل، إذا ما إجانا أكل من التكية، بتنام بلا وجبة"، ثم تُنهي كلامها برجاء خافت: "ارحموا الطفلة.. بس الطفلة".
نغم ليست حالة استثنائية، لكنها مرآة واضحة لما يفعله الحصار والحرب في أجساد الأطفال، تختصر في ضعفها حكاية الجوع، وتُجسّد في صمتها مأساة جيل كامل يُحاصر بين القصف والمجاعة.
"إعاقة كاملة"..
قالت والدة الطفلة نغم العايدي إن ابنتها وُلدت بإعاقة كاملة، لكن وضعها الصحي ازداد سوءًا بشكل كبير منذ اندلاع الحرب. وأوضحت أن غياب الغذاء والنظافة والرعاية ساهم في تدهور حالتها بشكل واضح، مضيفةً أن أي فرصة لتحسن الطفلة باتت مفقودة تمامًا.
وأكدت أن الوضع أصبح كارثيًا لدرجة أنه في حال لم تصلهم وجبات من "تكية" أو جهة خيرية، تبقى الطفلة دون طعام، تنتظر بلا أمل، إلى أن "يفرجها رب العالمين"، على حد تعبيرها.
وذكرت الأم أن وزن نغم لا يتجاوز 11 كيلوغرامًا، ولا يزداد إطلاقًا، في حين أن الأطفال في عمرها يكونون عادةً أشبه بالدمى، يتحركون ويجلسون، بينما نغم لا تعرف الجلوس أصلًا.
وأشارت إلى أن أبسط ما يتمكن الأطفال من فعله — كالجلوس أو النطق — غير متاح لابنتها، فهي لا تتكلم ولا تمسك الأشياء بيديها، وحتى إذا حاولت حملها واقفة لأكثر من دقيقة، تُصاب بالإرهاق الشديد ولا تستطيع الاحتمال.
وقالت الأم إنها تحاول أحيانًا إجلاسها على وسادة أو سطح ثابت، لكن نغم تسقط من تلقاء نفسها، لا تملك القدرة حتى على الجلوس بمفردها، كما أنها لا تستطيع الوقوف، وحتى عند محاولتها الاتكاء على رجلٍ واحدة، تنهار ولا تقوى على الثبات.
وشددت أنها لا تطالب بالعلاج لابنتها فقط، بل لكل الأطفال الذين يمرّون بالحالة نفسها، قائلة: "ليش بنتي تتحرم؟ زيها كتير. بطلت تاخد فيتامينات، بطلت تأكل أكل منيح. بطلت تاخد أي شيء يفيدها".
ووجهت نداءً أخيرًا إلى العالم قائلة: "أنا بطالب من الناس، من العالم، من الدول، يتحركوا ويشوفولنا حل. إحنا عايشين بين المجاري، الكهرباء مقطوعة، الأكل مفقود، والنظافة معدومة، والعلاج مش موجود".
واختتمت حديثها بنداء إنساني مؤلم: "لو في قلوب رحيمة، يا ناس، ارحموا الطفلة.. بس الطفلة".
غذاء شحيح ومجاعة تتفاقم..
وتزايدت في الأيام القليلة الماضية حالات الوفاة من سوء التغذية، وتحولت أجساد أطفال إلى هياكل عظمية، كما تزايدت حالات الإغماء لدى العديد من الغزّيين مع استفحال الجوع في ظل شح الغذاء.
وتشهد مستشفيات قطاع غزة وأقسام الطوارئ أعدادا غير مسبوقة من المواطنين المجوّعين من كل الأعمار، والذين يصلون في حالات إعياء شديد، وهزال مخيف وضعف كامل، حيث أنهكهم الجوع ونحلت أجسادهم بشكل صادم.
وفي هذا السياق، حذّرت وزارة الصحة من تفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع، مؤكدة أن المجاعة وصلت إلى مستويات كارثية تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع دخول الغذاء والدواء لما يقارب من 150 يوماً.
ويواجه سكان قطاع غزة موجة جوع فعلية منذ إغلاق الاحتلال معابر غزة، مطلع مارس/ آذار المنصرم، وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والوقود والدواء للقطاع؛ ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة منذ 21 شهرًا.
