في بلدة حوارة الواقعة جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، لا تقتصر المعاناة على الحواجز العسكرية وعربدة المستوطنين، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تختنق تدريجيًا تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي.
فالإغلاق المتواصل، والمصادرات، والتضييق المنهجي، جعلت من حياة سكان حوارة كابوسًا يوميًا، بينما بات الشارع الرئيسي – الذي كان شريانًا نابضًا بالتجارة والحركة – فارغًا من الزوار والمارة، بعد أن كان مقصدًا للمسافرين وتجار الضفة الغربية بمطاعمه ومحاله المعروفة.
ومنذ نحو عامين، انقلب حال البلدة بالكامل، مع إغلاق الاحتلال لحاجز حوارة الحيوي، ما تسبب في شلّ حركة العبور من نابلس إلى وسط الضفة وجنوبها، وأدى إلى إغلاق عشرات المحال التجارية، نتيجة اعتداءات متكررة من جيش الاحتلال والمستوطنين، رافقها تدهور اقتصادي غير مسبوق.
أرقام الخسائر في حوارة واضحة، لكنها لا تكشف وحدها عمق الألم والمعاناة التي يعيشها السكان، في ظل سياسة إسرائيلية ممنهجة، تسعى إلى محاصرة البلدة اقتصاديًا واجتماعيًا، وتحويلها إلى ساحة ضغط متواصل.
وفي هذا التقرير، ترصد "وكالة سند للأنباء" بالأرقام والشهادات، كيف انهار اقتصاد حوارة تدريجيًا، تحت وطأة الاحتلال والاستيطان.

157 محلًا تجاريًا أُغلق.. والاقتصاد ينهار
ضمن هذا المشهد الخانق، تؤكد رئيسة شعبة العلاقات العامة في بلدية حوارة رنا أبو هنية، أن البلدة فقدت 157 محلًا تجاريًا خلال العامين الماضيين فقط، نتيجة التدهور الاقتصادي المتسارع بفعل ممارسات الاحتلال.
وتشير في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن المحال التي أُغلقت تنوّعت بين مطاعم، معارض سيارات، محال قطع غيار، متاجر غذائية، ومحلات حلويات، ما يعكس مدى اتساع الضرر ليشمل معظم القطاعات الاقتصادية في البلدة.
وتوضح أبو هنية أن حوارة تُعاني منذ سنوات من إغلاقات متكررة ومنع للتجول، تفرضه سلطات الاحتلال تحت ذريعة تنفيذ عمليات مقاومة، ما أدى إلى شلّ الحركة التجارية وحرمان السكان من لقمة العيش.
وتضيف أن الاحتلال نشر قواته في ثكنات ونقاط عسكرية على طول الشارع الرئيسي في حوارة، بزعم حماية المستوطنين، الأمر الذي حوّل حياة المواطنين إلى جحيم يومي، وعمّق حالة الانكماش الاقتصادي والاجتماعي التي تعاني منها البلدة.

الشارع الاستيطاني يلتهم الأراضي
لكن الضغوط الاقتصادية لم تكن العامل الوحيد في انهيار الحياة في حوارة، فقد جاء مشروع الشارع الاستيطاني الالتفافي الذي نفذه الاحتلال الإسرائيلي ليُجهز على ما تبقى من استقرار زراعي واقتصادي في البلدة.
فالمشروع الاستيطاني، الذي شُق على أراضي البلدة ومحيطها، أدى إلى مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وفرض قيودًا مشددة على حركة المواطنين وتنقلاتهم.
ووفق معطيات حصلت عليها "وكالة سند للأنباء" من بلدية حوارة، فإن عدد المتضررين من المشروع بلغ 284 مواطنًا، بينهم 12 من بلدة بيتا المجاورة خسروا نحو 30 دونمًا، بينما خسر سكان حوارة 375 دونمًا من أراضيهم الزراعية.
وبالمجمل، تصل المساحة المتضررة إلى نحو 1100 دونم، وتشمل مناطق أُغلقت بالكامل بوجه أصحابها، ومنعوا من دخولها أو زراعتها أو حتى استصلاحها، في خطوة تُكمل حلقات الخنق الإسرائيلي لحوارة وأهلها.
خسائر متصاعدة بالحركة التجارية: الاقتصاد يتراجع 60%
من جانبه، يؤكد الصحفي المتابع للشأن المحلي رومل السويطي أن الانتكاسة الاقتصادية في حوارة بدأت قبل العدوان الإسرائيلي على غزة، وتحديدًا مع إغلاق حاجز حوارة، والذي تسبب بانخفاض المبيعات بنسبة 30%.
ويضيف في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء": "إغلاق الحاجز كان الضربة الأولى، ثم جاء مشروع الشارع الالتفافي ليساهم بخسائر إضافية تقدر بـ20%، قبل أن تضيف الحرب على غزة ضغوطًا غير مسبوقة، لتتراجع مداخيل التجار بنسبة 60%. من كان يبيع بـ100 شيكل يوميًا، بات لا يتجاوز دخله 40 شيكلًا فقط".
ويشير السويطي إلى أن مئات العمال من سكان البلدة فقدوا وظائفهم داخل الأراضي المحتلة، بعد أن مُنعوا من الوصول إليها، ما أدى إلى حرمان العائلات من مصدر رزقها الوحيد، وزاد من حدة الأزمة المعيشية.
ويلفت السويطي إلى أن معاناة حوارة لا تقتصر على الجوانب التجارية، بل تشمل كذلك حركة المواطنين اليومية، حيث أدى استمرار إغلاق الحاجز إلى عرقلة تنقل الموظفين والطلاب والمرضى، وتحويل الدخول والخروج من البلدة إلى تحدٍّ يومي.
ويقول: "الاحتلال يُطبّق سياسة خنق شاملة، وهناك ما يشبه المنع غير المعلن للمستوطنين من دخول البلدة، لكن ذلك لا يردع المتطرفين الذين يقتحمونها بين الحين والآخر، تحت حماية جنود الاحتلال أنفسهم".


خسائر فادحة وديون متراكمة..
من جهته، يروي عمر أبو زهور، صاحب معرض سيارات في حوارة، جانبًا آخر من الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه البلدة، بعدما اضطر إلى إغلاق معرضه بالكامل قبل نحو ثلاثة أشهر من بدء الحرب على غزة، بسبب الاعتداءات المتكررة للمستوطنين ووجود نقطة عسكرية أمام المعرض، جعلته هدفًا دائمًا للهجمات.
يقول أبو زهور لـ"وكالة سند للأنباء": "تعرّضنا لعدة اعتداءات، وأُحرقت سيارات من داخل المعرض، لم يعد هناك لا استقرار نفسي ولا أمان مادي، الناس خائفة ولا تجرؤ على دخول حوارة، والديون تتراكم علينا... لا أحد يدعمنا أو يساندنا".
ويُقدّر خسائره المادية بنحو 300 ألف شيكل، بسبب الأضرار التي لحقت بالمعرض وتوقف الدخل تمامًا، مضيفًا: "كنا نكسب ما بين 40 إلى 50 ألف شيكل شهريًا، واليوم لا شيكل واحد يدخل علينا".
ويختم بحرقة: "رغم توقف العمل، ما زلنا نُطالَب بدفع الضرائب، ولا نملك مصدر دخل بديل… كثيرون مثلي أغلقوا محالهم تمامًا، ولم يعد لديهم ما يعتمدون عليه".
لا تقتصر معاناة حوارة على الانهيار الاقتصادي، بل تمتد إلى سياسات ممنهجة تهدف لتهجير السكان وفرض واقع استيطاني بالقوة، فبين الإغلاقات والمصادرات والاعتداءات، يعيش الأهالي حصارًا مزدوجًا، في ظل صمت دولي مطبق.
